أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
143
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وجوّز أبو البقاء في « ما » هذه أن تكون مصدرية فقط ، وذلك المصدر المنسبك منها ومن دام في محلّ نصب على الحال ، وهو استثناء مفرغ أيضا من الأحوال المقدّرة العامة ، والتقدير : إلّا في حال ملازمتك له ، وعلى هذا فتكون « دام » هنا تامة لما تقدم من أنّ تقدّم الظرفية شرط في إعمالها ، وإذا كانت تامة انتصب « قائِماً » على الحال . ويقال : دام يدوم كقام يقوم ، ودمت قائما بضم الفاء وهذه لغة الحجاز ، وتميم يقولون : دمت بكسرها ، وبها قرأها أبو عبد الرحمن وابن وثاب والأعمش وطلحة والفياض بن غزوان « 1 » ، قال الفراء : « وهذه لغة تميم ويجتمعون في المضارع ، فيقولون : يدوم » ، يعني أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضموم العين ، وكان قياس تميم أن تقول يدام كخاف يخاف ومات يمات ، فيكون وزنها عند الحجاز : فعل بفتح العين ، وعند التميميين : فعل بكسرها ، هذا نقل الفراء ، وأمّا غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون : دمت أدام كخفت أخاف ، نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني وأبي القاسم الزمخشري . وأصل هذه المادة الدلالة على الثبوت والسكون ، يقال : « دام الماء » أي سكن ، وفي الحديث : « لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم » « 2 » وفي بعضه بزيادة : « الذي لا يجري » وهو تفسير له ، وأدمت القدر ودوّمتها : سكّنت غليانها بالماء ، ومنه دام الشيء : إذا امتد عليه زمان ، ودوّمت الشمس : إذا وقفت في كبد السماء ، قال ذو الرمة : 1349 - . . . * والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم « 3 » هكذا أنشد الراغب هذا الشطر على هذا المعنى ، وغيره ينشده على معنى أنّ الدوام يعبّر به عن الاستدارة حول الشيء ، ومنه الدوام : وهو الدّوار الذي يأخذ الإنسان في دماغه فيرى الأشياء دائرة ، وأنشد معه أيضا قول علقمة ابن عبدة : 1350 - تشفي الصّداع ولا يؤذيك صالبها * ولا يخالطها في الرّأس تدويم « 4 » ومنه : دوّم الطائر إذا حلّق ودار . وقوله : عَلَيْهِ متعلّق بقائما ، والمعنى بالقيام : الملازمة لأن الأغلب أنّ المطالب يقوم على رأس المطالب ، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام . قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ مبتدأ وخبر ، و « ذلِكَ » إشارة إلى الاستحلال وعدم المؤاخذة في زعمهم ، أي : ذلك الاستحلال مستحق أو جائز بقولهم : « لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ » . قوله : لَيْسَ عَلَيْنا يجوز أن يكون في « لَيْسَ » ضمير الشأن وهو اسمها ، وحينئذ يجوز أن يكون « سَبِيلٌ » مبتدأ و « عَلَيْنا » الخبر ، والجملة خبر « لَيْسَ » ويجوز أن يكون « عَلَيْنا » وحده هو الخبر ، و « سَبِيلٌ » مرتفع به على الفاعلية ، ويجوز
--> ( 1 ) فياض بن غروان الضبي الكوفي مقرىء موثق قال أحمد بن حنبل فيه شيخ ثقة انظر غاية النهاية 2 / 13 . ( 2 ) أخرجه البخاري 1 / 346 ، كتاب الوضوء ( 239 ) ، ومسلم 1 / 235 ، كتاب الطهارة ( 96 / 282 ) . ( 3 ) عجز بيت صدره : معروريا رمض الرّضراض يركضه * . . . انظر ديوانه ( 418 ) ، اللسان ( دوم ) . ( 4 ) تقدم .