أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

141

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقد طعن بعضهم على هذه القراءة فقال الزجاج : « هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيّن ، لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم ، وإذا لم تجزم فلا تسكن في الوصل ، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فغلط عليه كما غلط عليه في « بارِئِكُمْ » « 1 » ، وقد حكى عنه سيبويه « 2 » - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسرا خفيا ، يعني يكسر في « بارِئِكُمْ » كسرا خفيا فظنّه الراوي سكونا » . قلت : وهذا الردّ من الزجاج ليس بشيء لوجوه منها : أنه فرّ من السكون إلى الاختلاس ، والذي نصّ على أن السكون لا يجوز نصّ على أن الاختلاس أيضا لا يجوز ، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس قال : « ليجري الوصل مجرى الوقف إجراء كاملا ، وجعل قوله « وعيونه سيل واديها » أحسن من قوله : 1344 - . . . * ما حجّ ربّه في الدّنيا ولا اعتمرا « 3 » حيث سكّن الأول واختلس الثاني : ومنها : أنّ هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء ، وحكى الكسائي عن بني عقيل وبني كلاب : « إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ » « 4 » بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع ، ويقولون : « له مال وله مال » بالإسكان والاختلاس . وقال الفراء : « من العرب من يجزم الهاء إذا تحرّك ما قبلها فيقولون : ضربته ضربا شديدا ، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم « أنتم و « فمنهم » وأصلها الرفع ، وأنشد : 1345 - لمّا رأى أن لا دعه ولا شبع * مال إلى أرطاة حقف فالطجع « 5 » قلت : وهذا عجيب من الفراء كيف ينشد هذا البيت في هذا المعرض لأن هذه الهاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتة في الوصل فقلبها هاء ساكنة في الوصل إجراء له مجرى الوقف ، وكلامنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيث ، لأنّ هاء التأنيث لاحظّ لها في الحركة البتة ، ولذلك امتنع رومها وإشمامها في الوقف ، نصوا على ذلك ، وكان الزجاج يضعف في اللغة ، ولذلك ردّ على ثعلب في « فصيحه » أشياء أنكرها عن العرب ، فردّ الناس عليه ردّه ، وقالوا : قالتها العرب ، فحفظها ثعلب ولم يحفظها الزجاج فليكن هذا منها . وزعم بعضهم أن الفعل لمّا كان مجزوما وحلّت الهاء محلّ لامه جرى عليها ما يجري على لام الفعل من السكون للجزم وهو غير سديد . وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها : 1346 - له زجل كأنّه صوت حاد * . . . « 6 » وقول الآخر : 1347 - أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن * قناعه مغطيّا فإنّي لمجتلي « 7 »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 54 ) . ( 2 ) انظر الكتاب 2 / 297 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة العاديات ، آية ( 6 ) . ( 5 ) البيت لمنظور بن مرشد الأسدي ، انظر الخصائص 1 / 63 - 263 ، المحتسب 1 / 124 ، ابن يعيش 9 / 82 ، أوضح المسالك 3 / 313 ، اللسان ( رطا ) معاني الفراء 1 / 388 ، المنصف 2 / 329 ، المقرب 2 / 179 . الأرطاة : شجر من شجر الرمل ، له ثمر كالعناب ، الحقف : المعوج من الرمل . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) انظر البيت في الأنصاف ( 98 ) ، اللسان ( غطى )