أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

140

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 75 ] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) قوله تعالى : مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ : من مبتدأ ، و « مِنْ أَهْلِ » خبره ، قدّم عليه ، و « مِنْ » : إما موصولة وإما نكرة ، و « إن تأمنه يؤدّه » هذه الجملة الشرطية : إمّا صلة فلا محلّ لها ، وإمّا صفة فمحلّها الرفع . وقرأ أبيّ : « تئمنه » في الحرفين ، و « ما لك لا تئمنّا » « 1 » بكسر حرف المضارعة ، وكذلك ابن مسعود والأشهب العقيلي ، إلا أنهما أبدلا الهمزة ياء ، وجعل ابن عطية ذلك لغة قريش ، وغلّطه الشيخ « 2 » . وقد تقدّم لنا الكلام في كسر حرف المضارعة وشرط ذلك في سورة الفاتحة « 3 » بكلام مشبع فليراجع ثمة . والدينار أصله « دنّار » بنونين ، فاستثقل توالي مثلين فأبدلوا أولهما حرف علة تخفيفا لكثرة دوره في لسانهم ، ويدلّ على ذلك ردّه إلى النونين تكسيرا وتصغيرا في قولهم : دنانير ودنينير ، ومثله : قيراط : أصله قرّاط بدليل قراريط وقريريط كما قالوا : تظنّيت وقصّيت أظفاري ، يريدون تظنّنت وقصّصت بثلاث نونات وثلاث صادات . والدينار معرّب ، قالوا : ولم يختلف وزنه أصلا وهو أربعة وعشرون قيراطا ، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلة فالمجموع اثنان وسبعون شعيرة . وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم : « يؤدّه » بسكون الهاء في الحرفين ، وقرأ قالون : يؤدّه بكسر الهاء من دون صلة ، والباقون بكسرها موصولة بياء ، وعن هشام وجهان ، أحدهما : كقالون ، والآخر كالجماعة . فأما قراءة أبي عمرو ومن ذكر معه فقد خرّجوها على أوجه أحسنها أنه سكّنت هاء الضمير إجراء للوصل مجرى الوقف ، وهو باب واسع مضى لك منه شيء نحو : « يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ » « 4 » « أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ » « 5 » وسيمر بك منه أشياء إن شاء اللّه تعالى ، وأنشد ابن مجاهد على ذلك قوله : 1342 - وأشرب الماء ما بي نحوه عطش * إلّا لأنّ عيونه سيل واديها « 6 » وأنشد الأخفش على ذلك أيضا : 1343 - فظلت لدى البيت العتيق أخيله * ومطواي مشتاقان له أرقان « 7 » إلّا أنّ هذا يخصّه بعضهم بضرورة الشعر ، وليس كما قال لما سيأتي .

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 11 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 499 . ( 3 ) انظر كلامه عند آية ( 5 ) من سورة الفاتحة . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 259 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 258 ) . ( 6 ) انظر البيت في الخصائص ( 1 / 371 ) ، ( 2 / 18 ) ، المحتسب ( 1 / 244 ) ، الهمع ( 1 / 59 ) ، رصف المباني ( 16 ) ، الدرر ( 2 / 34 ) ، الخزانة ( 5 / 271 ) ، البحر المحيط ( 5 / 226 ) ، اللسان « ها » . والشاهد فيه اسكان الهاء من « عيونه » ، ضرورة ( 7 ) البيت لعمرو بن أبي عمارة ، وينسب لغيره انظر الخصائص ( 1 / 128 ) ، ( 370 ) ، الخزانة 2 / 401 ، معاني الأخفش 27 ، رصف المباني ( 16 ) ، المقتضب ( 1 / 177 ) ، المنصف ( 3 / 84 ) .