أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

131

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » لكونه فاصلة ، ولولا مراعاة ذلك لكانت المطابقة مطلوبة بينه وبين ما استدرك عنه في قوله : « يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا » فيتناسب النفيان . قوله تعالى : بِإِبْراهِيمَ : متعلّق ب « أَوْلَى » ، وأولى : أفعل تفضيل من الولي وهو القرب ، والمعنى : أن أقرب الناس به وأخصّهم ، فألفه منقلبة من ياء ، لكون فائه واوا . قال أبو البقاء : « إذ ليس في الكلام ما لامه وفاؤه واوان ، إلا « واو » يعني اسم حرف التهجي ، كالوسط من « قول » ، أو اسم حرف المعنى كواو النسق ، ولأهل التصريف خلاف في عينه : هل هي واو أيضا أو ياء ؟ وقد تعرّضت لها بدلائلها في « شرح التسهيل » . و لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ خبر « إِنَّ » ، و « هذَا النَّبِيُّ » نسق على الموصول ، وكذلك « وَالَّذِينَ آمَنُوا » ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون رضي اللّه عنهم وإن كانوا داخلين فيمن اتّبع إبراهيم ، إلا أنّهم خصّوا بالذكر تشريفا وتكريما ، فهو من باب وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ « 1 » . وحكى الزمخشري أنه قرىء : « وَهذَا النَّبِيُّ » بالنصب والجر ، فالنصب نسق على مفعول « اتَّبَعُوهُ » فيكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد اتّبعه غيره كما اتبع إبراهيم ، والتقدير : للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيّ : ويكون قوله : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » نسقا على قوله : « لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ » . والجر نسق على « إبراهيم » ، أي : إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه ، وفيه نظر من حيث إنه كان ينبغي أن يثنّى الضمير في « اتَّبَعُوهُ » فيقال : اتبعوهما ، اللهم إلا أن يقال : هو من باب وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ « 2 » . قوله تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فيه وجهان : أحدهما : أنها تبعيضية وهو الظاهر . والثاني : أنها لبيان الجنس ، قاله ابن عطية ، ويعني أن المراد بطائفة جميع أهل الكتاب . قال الشيخ « 3 » : « وهو بعيد من دلالة اللفظ » . وهذا الجارّ على القول بكونها تبعيضية في محلّ رفع صفة لطائفة ، وعلى القول بكونها بيانية يتعلّق بمحذوف ، و « لَوْ » تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية ، وأن تكون على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره . وقال أبو مسلم الأصبهاني : « ودّ بمعنى تمنى ، فيستعمل معها « لَوْ » و « أن » وربما جمع بينهما ، فيقال : وددت أن لو فعلت ، ومصدره الودادة ، والاسم منه ودّ ، وبمعنى أحبّ فيتعدى أحب ، والمصدر : المودّة ، والاسم منه ودّ ، وقد يتداخلان في المصدر والاسم » . وقال الراغب : « إذا كان بمعنى « أحبّ » لا يجوز إدخال « لو » فيه أبدا » . وقال الرماني : « إذا كان ودّ بمعنى تمنى صلح للحال والاستقبال ، وتجوز « لَوْ » ، وإذا كان بمعنى الماضي لم تجز « أن » لأن « أن » للاستقبال » وفيه نظر ، لأنّ « أن » توصل بالماضي . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 71 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 71 )

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 98 ) . ( 2 ) سورة التوبة ( 62 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 489 .