أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

132

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لِمَ تَلْبِسُونَ : قرأ العامة بكسر الباء من لبس عليه يلبسه أي خلطه . وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها جعله من لبست الثوب ألبسه على جهة المجاز ، وقرأ أبو مجلز : « تلبّسون » بضم التاء وكسر الباء وتشديدها من لبّس بالتشديد معناه التكثير . والباء في « بِالْباطِلِ » للحال أي : ملتبسا بالباطل . قوله : وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ جملة مستأنفة ، ولذلك لم ينتصب بإضمار أن في جواب الاستفهام ، وقد أجاز الزجاج من البصريين ، والفراء من الكوفيين فيه النصب من حيث العربية ، فتسقط النون ، فينتصب على الصرف عند الكوفيين ، وبإضمار أن عند البصريين ، وقد منع ذلك أبو علي الفارسي وأنكره ، وقال : « الاستفهام واقع على اللّبس فحسب ، وأما « تَكْتُمُونَ » فخبر حتم لا يجوز فيه إلا الرفع » ، يعني أنه ليس معطوفا على « تَلْبِسُونَ » بل هو استئناف ، خبّر عنهم أنهم يكتمون الحق مع علمهم أنه حق . ونقل أبو محمد بن عطية عن أبي عليّ أنه قال أيضا : « الصرف ههنا يقبح ، وكذلك إضمار « أن » ، لأن « يكتمون » معطوف على موجب مقدر وليس بمستفهم عنه ، وإنما استفهم عن السبب في اللبس ، واللّبس موجب ، فليست الآية بمنزلة قولهم : « لا تأكل السمك وتشرب اللبن » وبمنزلة قولك : « أتقوم فأقوم » والعطف على الموجب المقرّر قبيح متى نصب ، إلا في ضرورة شعر كما روي : 1334 - . . . * وألحق بالحجاز فأستريحا « 1 » وقد قال سيبويه « 2 » في قولك : « أسرت حتى تدخلها ؟ » لا يجوز إلا النصب في « تدخل » لأن السير مستفهم عنه غير موجب » ، وإذا قلنا : « أيّهم سار حتى يدخلها ؟ رفعت لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره » . قال الشيخ « 3 » : وظاهر هذا النقل عنه معارضته لما نقل عنه قبله ، ولأنّ ما قبله فيه أنّ الاستفهام وقع عن اللّبس فحسب ، وأمّا « يكتمون » فخبر حتم لا يجوز فيه إلا الرفع ، وفيما نقله ابن عطية أنّ « يكتمون » معطوف على موجب مقدّر وليس بمستفهم عنه ، فيدلّ العطف على اشتراكهما في الاستفهام عن سبب اللّبس وسبب الكتم الموجبين ، وفرق بين هذا المعنى وبين أن يكون « يكتمون » إخبارا محضا لم يشترك مع اللّبس في السؤال عن السبب ، وهذا الذي ذهب إليه أبو عليّ من أنّ الاستفهام إذا تضمّن وقوع الفعل لا ينتصب الفعل بإضمار « أنّ » في جوابه تبعه في ذلك جمال الدين ابن مالك ، فقال في « تسهيله » : « أو لاستفهام لا يتضمّن وقوع الفعل » فإن تضمّن وقوع الفعل امتنع النصب عنده نحو : « لم ضربت زيدا فيجاريك » لأنّ الضرب قد وقع . ولم يشترط غيرهما من النحويين ذلك ، بل إذا تعذّر سبك المصدر مما قبله . إمّا لعدم تقدّم فعل ، وإمّا لاستحالة سبك المصدر المراد به الاستقبال لأجل مضيّ الفعل فإنما يقدّر مصدر مقدّر استقباله بما يدلّ عليه المعنى ، فإذا قلت : لم ضربت زيدا « فأضربك » فالتقدير : ليكن منك إعلام بضرب زيد فمجازاة منا . وأمّا ما ردّ به أبو علي الفارسي على الزجاج والفراء فليس بلازم ، لأنه قد منع أن يراد بالفعل المضيّ ، إذ ليس نصا في ذلك ، إذ قد يمكن الاستقبال لتحقّق صدوره لا سيما على الشخص الذي صدر منه أمثال ذلك ، وعلى تقدير تحقّق المضيّ فلا يلزم الزجاج أيضا ، لأنه كما تقدّم : إذ لم يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة الاستفهامية سبكناه من لازمها ، ويدلّ على إلغاء فعل ماض محقق الوقوع مستفهم عنه نحو : أين ذهب زيد فنتبعه ؟ ومن أبوك فنكرمه ؟ وكم مالك فنعرفه ؟ كلّ ذلك متأوّل بما ذكرت من انسباك المصدر المستقبل من لازم الجمل المتقدمة فإنّ التقدير : ليكن

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب 1 / 416 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 492 .