أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

123

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وظاهر هذا أنّ الابتهال عامّ في كلّ دعاء لعنا كان أو غيره ، ثم خصّ في هذه الآية باللّعن . وظاهر عبارة الزمخشري أنّ أصله خصوصيته باللّعن ، ثم تجوّز فيه فاستعمل في اجتهاد في دعاء لعنا كان أو غيره ، والظاهر من أقوال اللغويين ما ذكره الراغب . وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته : 1322 - لم أر كالمزن سواما بهّلا * تحسبها مرعيّة وهي سدى « 1 » بهّلا : ج باهلة أي : مهملة ، وفاعلة يجمع على فعّل نحو : ضرّب ، والسّدى : المهمل أيضا . وقوله : فَنَجْعَلْ هي المتعدية لاثنين بمعنى : نصيّر ، و « عَلَى الْكاذِبِينَ » هو المفعول الثاني . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 62 إلى 63 ] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) قوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ : يجوز أن يكون « هو » فصلا ، والقصص خبر « إِنَّ » ، و « الْحَقُّ » صفته ، ويجوز أن يكون « هو » مبتدأ و « الْقَصَصُ » خبره ، والجملة خبر « إِنَّ » ، والإشارة بهذا إلى ما تقدّم ذكره من أخبار عيسى عليه السّلام ، وقيل : بل هو إشارة لما بعده وهو قوله : « وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ » . وضعّف هذا بوجهين ، أحدهما : أنّ هذا ليس بقصص ، والثاني : أنه مقترن بحرف العطف ، وقد اعتذر بعضهم عن الأول فقال : إن أراد بالقصص الخبر فيصحّ على هذا ، ويكون التقدير : إنّ الخبر الحق أنه ما من إله إلا اللّه ، ولكن الاعتراض الثاني باق لم يجب عنه . والقصص : مصدر قولهم : قصّ فلان الحديث يقصّه قصّا وقصصا . وأصله : تتبّع الأثر ، يقال : « فلان خرج يقصّ أثر فلان » أي : يتبعه ليعرف أين ذهب ؟ ومنه قوله تعالى : وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ « 2 » أي : اتّبعي أثره وكذلك القاصّ في الكلام لأنه يتتبّع خبرا بعد خبر . وقد تقدّم على قراءتي : « لهو » بسكون الهاء وضمّها ، إجراء له مجرى عضد . قال الزمخشري : « فإن قلت لم جاز دخول اللام على الفصل ؟ قلت : إذا جاز دخولها على الخبر فدخولها على الفصل أجوز ، لأنها أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ » . قوله : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن « مِنْ إِلهٍ » مبتدأ ، و « مِنْ » مزيدة فيه ، و « إِلَّا اللَّهُ » خبره تقديره : ما إله إلا اللّه ، وزيدت « مِنْ » للاستغراق والعموم . قال الزمخشري : « ومن في قوله « وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ » بمنزلة البناء على الفتح في « لا إله إلا اللّه » في إفادة معنى الاستغراق » قلت : الاستغراق في « لا إله إلا اللّه » لم نستفده من البناء على الفتح بل استفدناه من « مِنْ » المقدرة الدالة على الاستغراق ، نصّ النّحويون على ذلك ، واستدلّوا عليه بظهورها في قول الشاعر : 1323 - فقام يذود النّاس عنها بسيفه * فقال ألا لا من سبيل إلى هند « 3 »

--> ( 1 ) انظر البيت في ديوانه ( 128 ) . ( 2 ) سورة القصص ، آية ( 11 ) . ( 3 ) تقدم .