أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
124
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أين يكون الخبر مضمرا تقديره : وما من إله لنا إلا اللّه ، و « إِلَّا اللَّهُ » بدل من موضع « مِنْ إِلهٍ » لأن موضعه رفع بالابتداء ، ولا يجوز في مثله الإبدال من اللفظ ، لئلا يلزم زيادة من في الواجب ، وذلك لا يجوز عند الجمهور ، ويجوز في مثل هذا التركيب نصب ما بعد « إِلَّا » على الاستثناء ، ولكنه لم يقرأ به ، إلا أنه جائز لغة ، تقول : « لا إله إلا اللّه » برفع الجلالة بدلا من الموضع ، ونصبها على الاستثناء من الضمير المستكنّ في الخبر المقدر إذ التقدير : لا إله استقر لنا إلا اللّه . وقوله : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كقوله : « إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ » . قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا : يجوز أن يكون مضارعا وحذفت منه إحدى التاءين « تخفيفا على حدّ » قراءة تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ « 1 » و تَذَكَّرُونَ « 2 » ويؤيّد هذا نسق الكلام ونظمه في خطاب من تقدم في قوله تعالى « تَعالَوْا » ثم جرى معهم في الخطاب إلى أن قال لهم : « فَإِنْ تَوَلَّوْا . قال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مستقبلا تقديره : فإن تتولّوا ، ذكره النحاس وهو ضعيف ؛ لأنّ حرف المضارعة لا يحذف » قلت : وهذا ليس بشيء ، لأن حرف المضارعة يحذف في هذا النحو من غير خلاف ، وسيأتي من ذلك طائفة كثيرة ، وقد أجمعوا على الحذف في قوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها « 3 » ويجوز أن يكون ماضيا أي : فإن تولّى وفد نجران المطلوب مباهلتهم ، ويكون على ذلك في الكلام التفات ، إذ فيه انتقال من خطاب إلى غيبة . وقوله : بِالْمُفْسِدِينَ من وقوع الظاهر موقع المضمر تنبيها على العلة المقتضية للجزاء ، وكان الأصل : فإنّ اللّه عليم بكم ، على الأول ، وبهم ، على الثاني . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 64 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) قوله تعالى : إِلى كَلِمَةٍ : متعلّق بتعالوا فذكر مفعول « تَعالَوْا » بخلاف « تَعالَوْا » قبلها فإنه لم يذكر مفعوله ، لأنّ المقصود مجرد الإقبال ، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه تقديره : تعالوا إلى المباهلة . وقرأ العامة « كَلِمَةٍ » بفتح الكاف وكسر اللام ، وهو الأصل . وأبو السمّال « كَلِمَةٍ » بزنة سدرة ، وكلمة كضربة ، وتقدم هذا قريبا . و « كَلِمَةٍ » مفسّرة بما بعدها من قوله : « أَلَّا نَعْبُدَ » فالمراد بها كلام كثير ، وهذا من باب إطلاق الجزء والمراد به الكل ، ومنه تسميتهم القصيدة جمعا : قافية ، والقافية جزء منها ، قال : 1324 - أعلّمه الرّماية كلّ يوم * فلمّا اشتدّ ساعده رماني وكم علّمته نظم القوافي * فلمّا قال قافية هجاني « 4 » ويقولون : « كلمة الشهادة » يعنون : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أصدق كلمة قالها شاعر
--> ( 1 ) سورة القدر ، آية ( 4 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 152 ) . ( 3 ) سورة القدر ، آية ( 4 ) . ( 4 ) البيتان لمعمر بن أوس ونسبا لغيره انظر العيني 1 / 20 ، البيان 3 / 231 .