أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
118
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله : نَتْلُوهُ فيه وجهان : أحدهما : أنه وإن كان مضارعا لفظا فهو ماض معنى أي : ذلك الذي قدّمناه من قصة عيسى وما جرى له تلوناه عليك كقوله : « وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ » « 1 » . والثاني : على بابه لأنّ الكلام بعد لم يتمّ ، ولم يفرغ من قصة عيسى عليه السّلام إذ بقي منها بقية . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 59 ] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى : جملة مستأنفة لا تعلّق لها بما قبلها تعلّقا صناعيا بل معنويا ، وزعم بعضهم أنّها جواب لقسم ، وذلك القسم هو قوله : « وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ » كأنه قيل : أقسم بالذكر الحكيم إنّ مثل عيسى ، فيكون الكلام قد تمّ عند قوله : « مِنَ الْآياتِ » ثم استأنف قسما ، فالواو حرف جر لا حرف عطف ، وهذا بعيد أو ممتنع ، إذ فيه تفكيك لنظم القرآن وإذهاب لرونقه وفصاحته . قوله : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها مفسرة لوجه التشبيه بين المثلين ، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب . والثاني : أنها في محل نصب على الحال من آدم عليه السّلام و « قد » معه مقدرة ، والعامل فيها معنى التشبيه ، والهاء في « خَلَقَهُ » عائدة على آدم ، ولا تعود على عيسى لفساد المعنى ، وقال ابن عطية : « ولا يجوز أن يكون « خَلَقَهُ » صلة لآدم ولا حالا منه ، قال الزجاج : « إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها ، بل هو كلام مقطوع منه مضمّن تفسير الشأن » . قال الشيخ « 2 » : « وفيه نظر » ، ولم يبيّن وجه النظر ، والظاهر من هذا النظر أنّ الاعتراض وهو قوله : « لا يكون حالا أنت فيها » غير لازم ، إذ تقدير « قد » معه يقرّبه من الحال ، وقد يظهر الجواب عمّا قاله الزجاج من قول الزمخشري : « إنّ المعنى : قدّره جسدا من طين ثم قال له : كن ، أي أنشأه بشرا » . قال الشيخ « 3 » : « ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء لا بمعنى التقدير لم يأت بقوله « كُنْ » لأنّ ما خلق لا يقال له : كن ، ولا ينشأ إلا إن كان معنى « ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ » عبارة عن نفخ الروح فيه . « قلت : قد تعرّض الواحدي لهذه المسألة فأتقنها فقال : « وهذا - يعني قوله خلقه من تراب - ليس بصلة لآدم ولا صفة ، لأنّ الصلة للمبهمات والصفة للنكرات ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير لحال آدم عليه السّلام » قال : « قال الزجاج « وهذا كما تقول في الكلام : « مثلك كمثل زيد » تريد أنك تشبهه في فعل ثم تخبر بقصة زيد ، فتقول : فعل كذا وكذا » . وقوله : كُنْ فَيَكُونُ اختلفوا في المقول له : كن ، فالأكثرون على أنه آدم عليه السّلام ، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية ، لأنه إنما يقول له : « كُنْ » قبل أن يخلقه لا بعده ، وههنا يقول : « خَلَقَهُ » ثم قال له : كن ، والجواب : أنّ اللّه تعالى أخبرنا أولا أنه خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى ، ثم ابتدأ خبرا آخر ، أراد أن يخبرنا به فقال : إني مخبركم أيضا بعد خبري الأول أني قلت له : « كُنْ » فكان ، فجاء بثم لمعنى الخبر الذي تقدّم والخبر الذي تأخر في
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 102 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 478 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 478 .