أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
119
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الذكر ، لأنّ الخلق تقدّم على قوله « كُنْ » ، وهذا كما تقول : « أخبرك أني أعطيك اليوم ألفا ، ثم أخبرك أني أعطيتك أمس قبله ألفا » فأمس متقدّم على اليوم ، وإنما جاء بثم لأنّ خبر اليوم متقدّم خبر أمس ، وجاء خبر أمس بعد مضيّ خبر اليوم ، ومثله قوله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها « 1 » وقد خلقها بعد خلق زوجها ، ولكن هذا على الخبر دون الخلق ، لأنّ التأويل : أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة ؛ لأن حواء قد خلقت من ضلعه ، ثم أخبركم أني خلقت زوجها منها ، ومثل هذا ممّا جاء في الشعر قوله : 1317 - إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه * ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه « 2 » ومعلوم أنّ الأب متقدّم له والجدّ متقدم للأب ، فالترتيب يعود إلى الخبر لا إلى الوجود ، ويجوز أن يكون المراد أنه خلقه قالبا من تراب ثم قال له : كن بشرا فيصحّ النّظم . وقال بعضهم : المقول له كن : عيسى ، ولا إشكال على هذا . وقوله : « فَيَكُونُ » يجوز أن يكون على بابه من كونه مستقبلا ، والمعنى : فيكون كما يأمر اللّه فيكون حكاية للحال التي يكون عليها آدم ، ويجوز أن يكون « فَيَكُونُ » بمعنى « فكان » وعلى هذا أكثر المفسرين والنحويين ، وبهذا فسّره ابن عباس رضي اللّه عنه . والمثل هنا : مبهم من فسّره بمعنى الحال والشأن ، قال الزمخشري : « أي : إنّ شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم » ، وعلى هذا التفسير فالكاف على بابها من كونها حرف تشبيه ، وفسّر بعضهم المثل بمعنى الصفة ، قال ابن عطية : « وهذا عندي خطأ وضعف في فهم الكلام ، وإنما المعنى : أن المثل الذي تتصوّره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصوّر من آدم ، إذ الناس كلّهم مجمعون « على » أنّ اللّه خلقه من تراب من غير فحل ، وكذلك قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ « 3 » عبارة عن المتصوّر منها ، والكاف في « كَمَثَلِ » اسم على ما ذكرناه من المعنى » . قال الشيخ « 4 » : « ولا يظهر لي فرق بين كلامه هذا وبين من جعل المثل بمعنى الشأن والحال وبمعنى الصفة » . قلت : قد تقدّم في أول البقرة أنّ المثل قد يعبّر به عن الصفة وقد لا يعبّر به عنها ، فدلّ ذلك على تغايرهما ، وقد مرّ تفسيره وعبارة الناس فيه ، ويدلّ على ذلك ما قاله صاحب « ريّ الظمآن » عن الفارسي قال : « قيل : المثل بمعنى الصفة ، وقولك : صفة عيسى كصفة آدم كلام مطّرد ، على هذا جلّ اللغويين والمفسرين ، وخالف أبو علي الفارسي الجميع ، وقال : المثل بمعنى الصفة لا يمكن تصحيحه في اللغة ، إنما المثل التشبيه ، على هذا تدور تصاريف الكلمة ، ولا معنى للوصفية في التشابه ، ومعنى المثل في كلامهم « أنها كلمة يرسلها قائلها لحكمة يشبّه بها الأمور ويقابل بها الأحوال » قلت : فقد فرّق بين لفظ المثل في الاصطلاح وبين الصفة . وقال بعضهم : إنّ الكاف زائدة ، وبعضهم قال : إنّ « مثلا » زائد . فقد تحصّل في الكاف ثلاثة أقوال ، أظهرها : أنها على بابها من الحرفية وعدم الزيادة ، وقد تقدّم تحقيقه . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف شبّه به وقد وجد هو بغير أب ، ووجد آدم بغير أب ولا أم ؟ قلت : هو مثله في أحد الطرفين ، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به ، لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف ، ولأنه شبّه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ، ولأنّ الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب ، فشبّه الغريب بالأغرب ليكون
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 6 ) . ( 2 ) البيت لأبي نواس انظر ديوانه ( 493 ) ، رصف المباني ( 174 ) ، الدرر 2 / 173 ، الهمع 2 / 131 . ( 3 ) سورة الرعد ، آية ( 35 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 2 / 477 .