أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
115
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ضربان : محمود وهو أن يتحرّى به فعل جميل ، وعلى ذلك قوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ، ومذموم وهو أن يتحرّى به فعل قبيح نحو : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 1 » . قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ : في ناصبه ثلاثة أوجه : أحدها : قوله : « وَمَكَرَ اللَّهُ » أي ومكر اللّه بهم في هذا الوقت . الثاني : أنه « خَيْرُ الْماكِرِينَ » . الثالث : اذكر مقدرا ، فيكون مفعولا به كما تقدّم تقريره غير مرة . قوله : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ فيه وجهان : أظهرهما : أنّ الكلام على حاله من غير ادّعاء تقديم وتأخير فيه ، بمعنى : إني مستوفي أجلك ومؤخّرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار إلى أن تموت حتف أنفك من غير أن تقتل بأيدي الكفار ورافعك إلى سمائي . والثاني : أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، والأصل : رافعك إليّ ومتوفيك لأنه رفع إلى السماء ثم يتوفّى بعد ذلك ، والواو للجمع فلا فرق بين التقديم والتأخير ، قاله أبو البقاء وبدأ به ، ولا حاجة إلى ذلك مع إمكان إقرار كلّ واحد في مكانه بما تقدّم من المعنى ، إلّا أنّ أبا البقاء حمل التوفّي على الموت ، وذلك إنما هو بعد رفعه ونزوله إلى الأرض وحكمه بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وفي قوله : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ إيقاع الظاهر موقع المضمر ، إذ الأصل : ومكروا ومكر اللّه وهو خير الماكرين . قوله : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فيه قولان : أظهرهما : أنه خطاب لعيسى عليه السّلام . والثاني : أنه خطاب لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون الوقف على قوله « مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا » تاما ، والابتداء بما بعده ، وجاز هذا لدلالة الحال عليه . « فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا » ثاني مفعولي جاعل لأنه بمعنى مصيّر فقط . و إِلى يَوْمِ متعلّق بالجعل ، يعني أنّ هذا الجعل مستمرّ إلى ذلك اليوم ، ويجوز أن يتعلّق بالاستقرار المقدّر في « فَوْقَ » أي : جاعلهم قاهرين لهم إلى يوم القيامة ، يعني أنهم ظاهرون على اليهود وغيرهم من الكفار بالغلبة في الدنيا ، فأمّا يوم القيامة فيحكم اللّه بينهم فيدخل الطائع الجنة والعاصي النار ، وليس المعنى على انقطاع ارتفاع المؤمنين على الكافرين بعد الدنيا وانقضائها ، لأنّ لهم استعلاء آخر غير هذا الاستعلاء . وقال الشيخ « 2 » : « والظاهر أنّ « إِلَيَّ » تتعلق بمحذوف ، وهو العامل في « فَوْقَ » . وهو المفعول الثاني لجاعل ، إذ « جاعِلُ » هنا مصيّر ، فالمعنى كائنين فوقهم إلى يوم القيامة ، وهذا على أنّ الفوقية مجاز ، وأمّا إن كانت الفوقية حقيقة وهي الفوقية في الجنة فلا تتعلّق « إِلَيَّ » بذلك المحذوف بل بما تقدّم من « مُتَوَفِّيكَ » أو من « رافِعُكَ » أو من « مُطَهِّرُكَ » إذ يصحّ تعلّقه بكلّ واحد منها ، أمّا تعلّقه برافعك ، أو بمطهّرك فظاهر ، وأمّا بمتوفّيك فعلى بعض الأقوال » يعني ببعض الأقوال أنّ التوفّي يراد به قابضك من الأرض من غير موت ، وهو قول جماعة كالحسن وابن زيد وابن جريج وغيرهم ، أو
--> ( 1 ) سورة فاطر ، آية ( 43 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 474 .