أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
116
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يراد به ما ذكره الزمخشري ، وهو مستوفي أجلك ، ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخّرك إلى أجل كتبته لك ، ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيدي الكفار ، وأمّا على قول من يقول : إنه توفّي حقيقة فلا يتصوّر تعلّقه به لأن القائل بذلك لم يقل باستمرار الوفاة إلى يوم القيامة بل قائل يقول : إنه توفّي ثلاث ساعات ، وآخر يقول : توفي سبع ساعات بقدر ما رفع إلى سمائه حتى لا يلحقه خوف ولا ذعر في اليقظة ، وعلى هذا الذي ذكره الشيخ يجوز أن تكون المسألة من الإعمال ، ويكون قد تنازع في هذا الجارّ ثلاثة عوامل ، وإذا ضممنا إليها كون الفوقية مجازا تنازع فيه أربعة عوامل ، والظاهر أنه متعلّق بجاعل . وقد تقدّم أن أبا عمرو يسكّن ميم « أحكم » ونحوه قبل الباء . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 56 إلى 58 ] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 56 ) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 ) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 ) قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا : في محلّ هذا الموصول قولان : أظهرهما : أنه مرفوع على الابتداء ، والخبر الفاء وما في حيّزها . والثاني : أنه منصوب بفعل مقدر ، على أن المسألة من باب الاشتغال ، إذ الفعل بعده قد عمل في ضميره ، وهذا وجه ضعيف ، لأنّ « أمّا » لا يلبها إلا المبتدأ ، وإذا لم يلها إلا المبتدأ امتنع حمل الاسم بعدها على إضمار فعل . ومن جوّز ذلك تمحّل بأنه يضمر الفعل متأخرا عن الاسم ، ولا يضمره قبله ، قال : لئلا يلي « أمّا » فعل وهي لا يليها الأفعال البتة فيقدّر في قولك : « أمّا زيدا فضربته » : أمّا زيدا ضربت فضربته ، وكذا هنا يقدّر : فأمّا الذين كفروا أعذّب فأعذّبهم ، فيقدّر العامل بعد الصلة ، ولا يقدّره قبل الموصول لما ذكرت ، وهذا ينبغي ألّا يجوز لعدم الحاجة إليه مع ارتكاب وجه ضعيف جدا في أفصح كلام ، وقد قرأ بعض قراء الشواذ : « وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ » « 1 » بنصب « ثَمُودُ » واستضعفها الناس . وفي قوله : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ إلى كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ التفات من غيبة إلى خطاب ، وذلك أنه قدّم تعالى ذكر من كذّب بعيسى وافترى عليه وهم اليهود - لعنوا - ، وقدّم أيضا ذكر من آمن به وهم الحواريون - رضي اللّه عنهم - وقضى بعد ذلك بالإخبار بأنه يجعل متّبعي عيسى فوق مخالفيه ، فلو جاء النظم على هذا السياق من غير التفات لكان : ثم إليّ مرجعهم فأحكم بينهم فيما كانوا ، ولكنه التفت إلى الخطاب لأنه أبلغ في البشارة وأزجر في النّذارة . وفي ترتيب هذه الأخبار الأربعة - أعني متوفّيك ورافعك ومطهّرك وجاعل - هذا الترتيب معنى حسن جدا ، وذلك أنه تعالى بشّره أولا بأنه متوفّيه ومتولّي أمره فليس للكفار المتوعّدين له بالقتل عليه سلطان ولا سبيل ، ثم بشّره ثانيا بأنه رافعه إليه أي : سمائه محلّ أنبيائه وملائكته ومحلّ عبادته ليسكن فيها ويعبد ربّه مع عابديه ، ثم ثالثا بتطهيره من أوضار الكفرة وأذاهم وما رموه به ، ثم رابعا برفعة تابعيه على من خالفهم ليتمّ بذلك سروره ، ويكمل فرحه ، وقدّم البشارة بما يتعلّق بنفسه على البشارة بما يتعلّق بغيره ؛ لأنّ الإنسان بنفسه أهمّ وبشأنها أعنى ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً « 2 » « ابدأ
--> ( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 17 ) . ( 2 ) سورة التحريم ، آية ( 6 ) .