أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

110

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرابع : أنه متعلّق بقوله : « وَأَطِيعُونِ » والمعنى : اتّبعوني لأحل لكم ، وهذا بعيد جدا أو ممتنع . الخامس : أن يكون « وَلِأُحِلَّ » ردّا على قوله : « بِآيَةٍ » ، قال الزمخشري : « وَلِأُحِلَّ » ردّ على قوله : « بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » أي جئتكم بآية من ربكم ولأحلّ » . قال الشيخ « 1 » : « ولا يستقيم أن يكون « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ » ردّا على « بِآيَةٍ » ؛ لأنّ « بِآيَةٍ » في موضع حال ، و « لِأُحِلَّ » تعليل ولا يصحّ عطف التعليل على الحال ؛ لأنّ العطف بالحرف المشرّك في الحكم يوجب التشريك في جنس المعطوف عليه ، فإن عطفت على مصدر أو مفعول به أو ظرف أو حال أو تعليل أو غير ذلك شاركه في ذلك المعطوف » قلت : ويحتمل أن يكون جوابه ما تقدّم من أنه أراد ردّا على « بِآيَةٍ » من حيث دلالتها على عمل مقدّر . قوله : بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ المراد ببعض مدلوله الأصلي ، وقال أبو عبيدة : « إنها هنا بمعنى « كل » مستدلّا بقول لبيد : 1310 - ترّاك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النّفوس حمامها « 2 » وقد ردّ الناس عليه بأنه كان يلزم أن يحلّ لهم الربا والسرقة والقتل لأنها كانت محرّمة عليهم ، فلو كان المعنى : ولأحلّ لكم كلّ الذي حرّم عليكم لأحلّ لهم ذلك كله . واستدلّ بعضهم على أنّ « بعضا » بمعنى « كل » بقول الآخر : 1311 - أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض « 3 » أي : أهون من كل الشرّ ، واستدلّ آخرون بقول الآخر : 1312 - إنّ الأمور إذا الأحداث دبّرها * دون الشّيوخ ترى في بعضها خللا « 4 » أي : في كلّها خللا ، ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن مدلوله مع إمكان صحة معناه ، إذ مراد لبيد ببعض النفوس نفسه هو ، والتبعيض في البيتين الآخرين واضح فإنّ الشرّ بعضه أهون من بعض آخر لا من كله ، وكذلك ليس كلّ أمر دبّره الأحداث كان فيه خلل ، بل قد يأتي تدبيره أحسن من تدبير الشيخ . وقرأ العامة : « حُرِّمَ » مبنيا للمفعول والفاعل هو اللّه تعالى . وقرأ عكرمة : « حُرِّمَ » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى أو الموصول في قوله : « لِما بَيْنَ يَدَيَّ » لأنه كتاب منزّل ، أو موسى لأنه هو صاحب التوراة ، فأضمر للدلالة عليه بذكر كتابه . وقرأ إبراهيم النخعي : « حرم » بوزن شرف وظرف ، نسب الفعل إليه مجازا للعلم أنّ المحرّم هو اللّه تعالى . قوله : وَجِئْتُكُمْ هذه الجملة يحتمل أن تكون تأكيدا للأولى لتقدّم معناها ولفظها قبل ذلك . قال أبو البقاء : « هذا تكرير للتوكيد لأنه سبق هذا المعنى في الآية التي قبلها » ويحتمل أن تكون للتأسيس لاختلاف متعلّقها ومتعلّق ما قبلها .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 469 . ( 2 ) انظر ديوانه ( 311 ) ، الخصائص 1 / 74 ، المحتسب 1 / 111 . ( 3 ) البيت لطرفة انظر ديوانه ( 66 ) ، الكتاب ( 1 / 348 ) ، المقتضب 3 / 224 ، الهمع 1 / 190 ، ابن يعيش 1 / 118 ، الدرر ( 1 / 163 ) ، وانظر مجاز القرآن ( 312 ) ، الجمهرة ( 3 / 449 ) ، البحر المحيط ( 6 / 177 ) ، القرطبي ( 11 / 87 ) ، روح المعاني ( 16 / 72 ) . ( 4 ) انظر البيت في الأنصاف ( 767 ) ، البحر المحيط 2 / 468 .