أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

111

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » : « وجئتكم بآية من ربكم للتأسيس لا للتوكيد لقوله : « قَدْ جِئْتُكُمْ » ، وتكون هذه الآية قوله : « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ » لأنّ هذا القول شاهد على صحة رسالته ؛ إذ جميع الرسل كانوا عليه لم يختلفوا فيه ، وجعل هذا القول آية وعلامة لأنه رسول كسائر الرسل حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال ، قاله الزمخشري . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 51 إلى 52 ] إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 ) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) وقرأ العامة : إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ : بكسر الهمزة على الإخبار المستأنف ، وهذا ظاهر على قولنا إنّ « جِئْتُكُمْ » تأكيد ، أمّا إذا جعلته تأسيسا وجعلت الآية هي قوله : « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ » بالمعنى الذي ذكرته أولا فلا يصحّ الاستئناف ، بل يكون الكسر على إضمار القول وذلك القول بدل من الآية ، كأنّ التقدير : وجئتكم بآية من ربّكم قولي إنّ اللّه ، فقولي بدل من « آية » ، و « إنّ » وما في حيّزها معمولة لقولي ، ويكون قوله : « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ » اعتراضا بين البدل والمبدل منه . وقرىء « 2 » بفتح الهمزة وفيه أوجه : أحدها : أنه بدل من « آية » كأنّ التقدير : وجئتكم بأنّ اللّه ربي وربكم ، أي : جئتكم بالتوحيد ، وقوله : « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ » اعتراض أيضا . الثاني : أنّ ذلك على إضمار لام العلة ، ولام العلة متعلقة بما بعدها من قوله : فاعبدوه » والتقدير : فاعبدوه لأنّ اللّه ربي وربّكم كقوله تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ « 2 » إلى أن قال : « فَلْيَعْبُدُوا » إذ التقدير : فليعبدوا لإيلاف قريش ، وهذا عند سيبويه « 3 » وأتباعه ممنوع ؛ لأنه متى كان المعمول أنّ وما في صلتها امتنع تقديمها على عاملها ، لا يجيزون : « أنّ زيدا منطلق عرفت » تريد : « عرفت أن زيدا منطلق » للقبح اللفظي ، إذ تصدّرها لفظا يقتضي كسرها . الثالث : أن يكون « أن الله » على إسقاط الخافض وهو « على » و « على » يتعلّق بآية نفسها ، والتقدير : وجئتكم بآية على أن اللّه ، كأنه قيل : بعلامة ودلالة على توحيد اللّه تعالى ، قاله ابن عطية وعلى هذا فالجملتان الأمريّتان اعتراض أيضا وفيه بعد . وقوله : هذا صِراطٌ هذا إشارة إلى التوحيد المدلول عليه بقوله : « إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ » أو إلى نفس « إِنَّ اللَّهَ » باعتبار هذا اللفظ هو الصراط المستقيم . قوله تعالى : مِنْهُمُ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق بأحسّ ، و « من » لابتداء الغاية ، أي : ابتداء الإحساس من جهتهم .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 469 . ( 2 ) سورة قريش ، آية ( 1 ) . ( 3 ) انظر الكتاب 1 / 463 .