أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

107

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومن الدّين ، وبرّأتك من الدّين بالتضعيف ، وبرئت من المرض أبرأ ، وبرأت أيضا ، وأما برئت من الدّين ومن الذنب فبرئت لا غير . وقال الأصمعي : « برئت من المرض لغة تميم وبرأت لغة الحجاز » . وقال الراغب : « برأت من المرض وبرئت ، وبرأت من فلان » « 1 » فظاهر هذا أنه لا يقال الوجهان : أعني فتح الراء وكسرها إلا في البراءة من المرض ونحوه ، وأمّا الدّين والذنب ونحوهما فالفتح ليس إلّا . والبراءة : التغصّي من الشيء المكروه مجاوزته وكذلك : التبرّي والبرء . والأكمه : من ولد أعمى يقال : كمه يكمه كمها فهو أكمه قال رؤبة : 1306 - فارتدّ عنها كارتداد الأكمه « 2 » ويقال كمهتها أنا أي : أعميتها . وقال الزمخشري والراغب وغيرهما : « الأكمه من ولد مطموس العين » . قال الزمخشري : « ولم يوجد في هذه الأمة أكمه غير قتادة صاحب التفسير » . وقال الراغب : « وقد يقال لمن ذهبت عينه : أكمه ، قال سويد : 1307 - كمهت عيناه حتى ابيضّتا * . . . « 3 » والبرص داء معروف وهو بياض يعتري الإنسان ، ولم تكن العرب تنفر من شيء نفرتها منه ، يقال : برص يبرص برصا ، أي : أصابه ذلك ، ويقال له : الوضح ، وفي الحديث : « وكان بها وضح » « 4 » والوضّاح من ملوك العرب هابوا أن يقولوا له الأبرص ، ويقال للقمر : أبرص لشدة بياضه . وقال الراغب : « وللنكتة التي عليه » وليس بظاهر ، فإنّ النكتة التي عليه سوداء ، والوزغ : سامّ أبرص لبياضه والتبريص : الذي يلمع لمعان البرص ويقارب البصيص . « 5 » قوله : بِما تَأْكُلُونَ يجوز في « ما » أن تكون موصولة اسمية أو حرفية أو نكرة موصوفة ، فعلى الأول والثالث يحتاج إلى عائد بخلاف الثاني عند الجمهور ، وكذلك « ما » في قوله : « وَما تَدَّخِرُونَ » محتملة لما ذكر . وأتى بهذه الخوارق الأربع بلفظ المضارع دلالة على تجدّد ذلك كلّ وقت طلب منه ، وقيّد قوله : « أَنِّي أَخْلُقُ » إلى آخره « بِإِذْنِ اللَّهِ » لأنه خارق عظيم ، فأتى به دفعا لتوهّم الإلهية ، ولم يأت به فيما عطف عليه في قوله : « وَأُبْرِئُ » ، ثم قيّد الخارق الثالث أيضا « بِإِذْنِ اللَّهِ » لأنه خارق عظيم أيضا ، وعطف عليه قوله : « وَأُنَبِّئُكُمْ » من غير تقييد له منبهة على عظم ما قبله ودفعا لوهم من يتوهّم فيه الإلهية ، أو يكون قد حذف القيد من المعطوفين اكتفاء به في الأول وما قدّمته أحسن . وتدّخرون : قراءة العامة بدال ، مشددة مهملة ، وأصله تذتخرون تفتعلون من الذّخر وهو التخبئة ، يقال : ذخر الشيء يذخره ذخرا فهو ذاخر ومذخور أي : خبّأه ، قال الشاعر :

--> ( 1 ) انظر المفردات ( 38 ) . ( 2 ) جزء بيت لرؤبة وتمامه : وكيد مطّال وخصم منده * هرّجت فارتدّ ارتداد الأكمه انظر مجاز القرآن 1 / 93 ، ديوانه ( 27 ) ، الطبري 3 / 173 ، اللسان ( كمه ، هرج ) . ( 3 ) صدر بيت لأبي كاهل وعجزه : . . . * فهو يلحى نفسه لمّا نزع انظر المفضليات ( 200 ) ، البحر 2 / 455 ، تفسير الطبري 6 / 430 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 254 . ( 5 ) أي البريق .