أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

108

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1308 - لها أشارير من لحم تتمّره * من الثّعالي وذخر من أرانيها « 1 » الذّخر : فعل بمعنى المذخور نحو : الأكل بمعنى المأكول ، وبعض النحويين يصحّف هذا البيت فيقول : « ووخز » بالواو والزاي ، وقوله : « من الثّعالي وأرانيها » يريد : من الثعالب وأرانبها ، فأبدل الباء الموحدة ياء بثنتين من تحت ، ولمّا كان أصله « تذتخرون » اجتمعت الذال المعجمة مع التاء - أي تاء الافتعال - أبدلت تاء الافتعال دالا مهملة فالتقى بذلك متقاربان : الذال والدال ، فأدغم الذال المعجمة في المهملة فصار اللفظ : تدّخرون كما ترى . وقد قرأ السوسي في رواية عن أبي عمرو : تذدخرون بقلب تاء الافتعال دالا مهملة من غير إدغام ، وهو وإن كان جائزا إلّا أنّ الإدغام هو الفصيح . وقرأ الزهدي ومجاهد وأبو السّمّال وأيوب السختياني « 2 » « تذخرون » بسكون الذال المعجمة وفتح الخاء ، جاؤوا به مجردا على فعل ، يقال : ذخرته أي : خبّأته ، ومن العرب من يقلب تاء الافتعال في هذا النحو ذالا معجمة فيقول : اذّخر ، يذّخر بذال معجمة مشددة ، ومثله اذّكر فهو مذّكر ، وسيأتي إن شاء اللّه . وقال أبو البقاء : « والأصل في تدّخرون : تذتخرون ، إلّا أنّ الذال مجهورة والتاء مهموسة فلم يجتمعا ، فأبدلت التاء دالا لأنها من مخرجها لتقرب من الذال ، ثم أبدلت الذال دالا وأدغمت » . و « فِي بُيُوتِكُمْ » متعلّق بتدّخرون . قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ « ذلِكَ » إشارة إلى جميع ما تقدّم من الخوارق ، وأشير إليها بلفظ الأفراد وإن كانت جمعا في المعنى ، بتأويل « ما ذكر وما تقدّم » . وقد تقدّم أن في مصحف عبد اللّه وقراءته : « لآيات » بالجمع مراعاة لما ذكرته من معنى الجمع . وهذه الجملة تحتمل أن تكون من كلام عيسى وأن تكون من كلام اللّه تعالى . و إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جوابه محذوف أي : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآية وتدبّرتموها . وقدّر بعضهم صفة محذوفة لآية ، أي لآية نافعة ، قال الشيخ « 3 » : « حتى يتّجه التعلّق بهذا الشرط » وفيه نظر ، إذ يصحّ التعلّق بالشرط دون تقدير هذه الصفة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 50 ] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 ) قوله تعالى وَمُصَدِّقاً : نسق على محلّ « بِآيَةٍ » ؛ لأنّ « بِآيَةٍ » في محلّ نصب على الحال إذ التقدير : وجئتكم ملتبسا بآية ومصدقا . وقال الفراء والزجاج : « نصب مصدقا على الحال ، المعنى : وجئتكم مصدقا لما بين يديّ ، وجاز إضمار « جِئْتُكُمْ » لدلالة أول الكلام عليه ، وهو قوله : « أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » ، ومثله في الكلام : « جئته بما يجب ومكرما له » . قال الفراء : « ولا يجوز أن يكون « وَمُصَدِّقاً » معطوفا على « وَجِيهاً » لأنه لو كان كذلك لقال : « وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » يعني أنه لو كان معطوفا عليه لأتى معه بضمير الغيبة لا بضمير التكلم ، وكذلك ذكر غير الفراء ، ومنع أيضا

--> ( 1 ) البيت لأبي كاهل اليشكري انظر الكتاب 1 / 344 ، ابن يعيش 2 / 258 ، الهمع 1 / 181 ، مجالس ثعلب ( 229 ) ، اللسان ( تمر ) . ( 2 ) أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري أبو بكر سيد فقهاء عصره تابعي من الحفاظ الأثبات توفي سنة ( 131 ) ه . انظر سير أعلام النبلاء ، 6 / 15 ، تذكرة الحفاظ 1 / 130 ، الأعلام 2 / 38 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 2 / 468 .