أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

77

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

من فعلي العبادة والاستعانة فلم يذكر لهما مفعولا ليتناولا كل معبود به ، وكل مستعان عليه أو يكون المراد وقوع الفعل من غير نظر إلى مفعول نحو : كُلُوا وَاشْرَبُوا « 1 » أي : أوقعوا هذين الفعلين . [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 6 ] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ إلى آخرها : اهد : صيغة أمر ومعناها الدعاء ، وهذه الصيغة ترد لمعان كثيرة ذكرها الأصوليون . وقال بعضهم : إن وردت صيغة أفعل من الأعلى للأدنى قيل فيها أمر وبالعكس دعاء ، ومن المساوي التماس . وفاعله مستتر وجوبا لما مر أي : اهد أنت ونا مفعول أول ، وهو ضمير متصل يكون للمتكلم مع غيره ، أو المعظم نفسه ، ويستعمل في موضع الرفع والنصب والجر بلفظ واحد : نحو : قمنا وضربنا زيد ومر بنا ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضمائر . وقد زعم بعض الناس أن الياء كذلك . تقول : أكرمني ومر بي وأنت تقومين يا هند ، فالياء في المثال الأول منصوبة المحل وفي الثاني : مجرورته ، وفي الثالث : مرفوعته . وهذا ليس بشيء لأن الياء في حالة الرفع ليست تلك الياء التي في حالة النصب والجر ، لأن الأولى للمتكلم ، وهذه للمخاطبة المؤنثة وقيل : بل يشاركه لفظ « هم » تقول : هم نائمون ، وضربهم ومررت بهم ف « هم » مرفوع المحل ومنصوبه ومجروره بلفظ واحد ، وهو للغائبين في كل حال وهذا وإن كان أقرب من الأول إلا أنه في حالة الرفع ضمير منفصل ، وفي حالة النصب والجر ضمير متصل فافترقا بخلاف « نا » فإن معناها لا يختلف ، وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة . والصراط : مفعول ثان ، والمستقيم : صفته ، وقد تبعه في الأربعة من العشرة المذكورة . وأصل « هدى » أن يتعدى إلى الأول بنفسه ، وإلى الثاني : بحرف الجر ، وهو إما : إلى أو اللام ، كقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ « 2 » ، يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ « 3 » ، ثم يتسع فيه فيحذف الحرف فيتعدى بنفسه ، فأصل اهدنا الصراط : اهدنا للصراط ، أو إلى الصراط ثم حذف . والأمر عند البصريين مبني ، وعند الكوفيين معرب ، ويدعون في نحو : « اضرب » أن أصله : لتضرب بلام الأمر ، ثم حذف الجازم وتبعه حرف المضارعة ، وأتى بهمزة الوصل لأجل الابتداء بالساكن ، وهذا ما لا حاجة إليه ، وللرد عليهم موضع أليق به . ووزن اهد : افع حذفت لامه وهي الياء حملا للأمر على المجزوم ، والمجزوم تحذف منه لامه إذا كانت حرف علة . والهداية : الإرشاد أو الدلالة أو التقدم ، ومنه هوادي الخيل لتقدمها ، قال امرؤ القيس :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 60 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، آية ( 52 ) . ( 3 ) سورة الإسراء ، آية ( 9 ) .