أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
697
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ « 1 » هذا وجه ، والذي يظهر لي في هذا أنّ الحسنات هي مما يكسب دون تكلّف ، إذ كاسبها على جادّة أمر اللّه ورسم شرعه ، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة ، إذ كاسبها يتكّلف في أمرها خرق حجاب نهي اللّه تعالى ، ويتجاوز إليها فحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى » . وقال بعضهم « 2 » : « فرق ، وقد جاء القرآن بالكسب والاكتساب في مورد واحد . قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ « 3 » . وقال تعالى : وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها « 4 » وقال تعالى : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً « 5 » ، وقال تعالى : بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فقد استعمل الكسب والاكتساب في الشرّ » . وقال أبو البقاء : « وقال قوم : « لا فرق بينهما ، وذكر نحوا ممّا تقدّم . وقال آخرون : « افتعل يدلّ على شدّة الكلفة . وفعل السيئة شديد لما يؤول إليه » . وقال الواحدي : « الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما ، قال ذو الرمة : 1155 - . . . * ألفي أباه بذاك الكسب يكتسب « 6 » قلت : وإنما أتى في الكسب باللام وفي الاكتساب ب « على » ؛ لأنّ اللام تقتضي الملك والخير يحبّ ويسرّ به ، فجيء معه بما يقتضي الملك ، ولمّا كان الشرّ يحذر وهو ثقل ووزر على صاحبه جيء معه ب « على » المقتضية لاستعلائه عليه . وقال بعضهم : « فيه إيذان أنّ أدنى فعل من أفعال الخير يكون للإنسان تكرّما من اللّه على عبده حتى يصل إليه ما يفعله معه ابنه من غير علمه به ، لأنه من كسبه في الجملة ، بخلاف العقوبة فإنه لا يؤاخذ بها إلا من جدّ فيها واجتهد » . وهذا مبنيّ على القول بالفرق بين البنائين وهو الأظهر . قوله : لا تُؤاخِذْنا يقحرأ بالهمزة وهو من الأخذ بالذّنب ، ويقرأ بالواو ، ويحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من الأخذ أيضا ، وإنما أبدلت الهمزة واوا لفتحها وانضمام ما قبلها ، وهو تخفيف قياسي . ويحتمل أن يكون من : وأخذه بالواو ، قاله أبو البقاء . وجاء هنا بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأنّ المسئ قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله ، فكأنه أعان من يعاقبه بذنبه ، ويأخذ به على نفسه فحسنت المفاعلة . ويجوز أن يكون من باب : سافرت وعاقبت وطارقت . وقرأ أبيّ : « ربّنا ولا تحمّل علينا إصرا » بتشديد الميم . قال الزمخشري : « فإن قلت : أيّ فرق بين هذه الشديدة والتي في « ولا تحمّلنا ؟ قلت : هذه للمبالغة في حمّل عليه ، وتلك لنقل « حمله » من مفعول واحد إلى مفعولين » . انتهى يعني أنّ التضعيف في الأول للمبالغة ولذلك لم يتعدّ إلا لمفعول واحد ، وفي الثانية للتعدية ، ولذلك تعدّى إلى اثنين أولهما « نا » والثاني « ما لا طاقة لنا به » .
--> ( 1 ) سورة الطارق ، آية ( 17 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 367 ) . ( 3 ) سورة المدثر ، آية ( 38 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 164 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 81 ) . ( 6 ) عجز بيت وصدره : ومطعم الصيد هبال لبغيته * . . . انظر ديوانه ( 99 ) ، اللسان « هبل » .