أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
698
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والإصر : في الأصل الثّقل والشّدّة . وقال النابغة : 1156 - يا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعدها عرفوا « 1 » وأطلق على العهد والميثاق لثقلهما ، كقوله تعالى : وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي « 2 » أي : عهدي . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ « 3 » أي : التكاليف الشاقة ثم يطلق على كل ما يثقل ، حتى يروى عن بعضهم أنه فسّر الإصر هنا بشماتة الأعداء وأنشد : 1157 - أشمتّ بي الأعداء حين هجرتني * والموت دون شماتة الأعداء « 4 » ويقال : الإصر أيضا : العطف والقرابة ، يقال : « ما يأصرني عليه آصرة » أي : ما يعطفني عليه قرابة ولا رحم ، وأنشد للحطيئة : 1158 - عطفوا عليّ بغير آ * صرة فقد عظم الأواصر « 5 » وقيل : الإصر : الأمر الذي تربط به الأشياء ، ومنه « الإصار » للحبل الذي تشدّ به الأحمال ، يقال : أصر يأصر أصرا بفتح الهمزة ، فأما بكسرها فهو اسم . ويقال بضمّها أيضا ، وقد قرئ به شاذا . وقرأ أبيّ : « ولا تحمّل علينا » بالتشديد مبالغة في الفعل . والطاقة : القدرة على الشيء وهي في الأصل ، مصدر ، جاءت على حذف الزوائد ، وكان من حقّها « إطاقة » لأنها من أطاق ، ولكن شذّت كما شذّت أليفاظ نحو : أغار غارة ، وأجاب جابة ، قالوا : « ساء سمعا فساء جابة » ؛ ولا ينقاس فلا يقال : طال طالة . ونظير أجاب جابة : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 6 » وأعطى عطاء في قوله : 1159 - . . . * وبعد عطائك المئة الرّتاعا « 7 » وقوله تعالى : مَوْلانا والمولى : مفعل من ولي يلي ، وهو هنا مصدر يراد به الفاعل ، فيجوز أن يكون على حذف مضاف أي : صاحب تولّينا أي : نصرتنا ولذلك قال : « فانصرنا » ، والمولى يجوز أن يكون اسم مكان أيضا واسم زمان . وقوله تعالى : فَانْصُرْنا أتى هنا بالفاء إعلاما بالسببية ؛ لأنّ اللّه تعالى لمّا كان مولاهم ومالك أمورهم وهو مدبّرهم تسبّب عنه أن دعوه بأن ينصرهم على أعدائهم كقولك : « أنت الجواد فتكرّم عليّ وأنت البطل فاحم حرمك » . وقد اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من العلوم ، تقدّم التنبيه على غالبها ، والذكيّ مستغن عن التصريح بالتلويح .
--> ( 1 ) البيت في ديوان النابغة ، وفي البحر المحيط ( 2 / 343 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 81 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 157 ) . ( 4 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 369 ) . ( 5 ) انظر ديوانه ( 174 ) . ( 6 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) . ( 7 ) تقدم .