أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
696
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « ما ضربت إلا زيدا » هذا في الصناعة هو المفعول وإن كان أصله : ما أعطيت زيدا شيئا إلّا درهما » . والوسع : ما يسع الإنسان ، ولا يضيق عليه ، ولا يخرج منه . وقرأ ابن أبي عبلة : « إلا وسعها » جعله فعلا ماضيا ، وخرّجوا هذه القراءة على أنّ الفعل فيها صلة لموصول محذوف تقديره : « إلّا ما وسعها » وهذا الموصول هو المفعول الثاني كما كان « وسعها » كذلك في قراءة العامة ، وهذا لا يجوز عند البصريين ، بل عند الكوفيين ، على أنّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيف جدا إذ لا دلالة عليه ، وهذا بخلاف قول الآخر : 1152 - ما الّذي دأبه احتياط وحزم * وهواه أطاع يستويان « 1 » وقول حسان أيضا : 1153 - أمن يهجو رسول اللّه منكم * ويمدحه وينصره سواء « 2 » وقد تقدّم تحقيق هذا . وهل لهذه الجملة محلّ من الإعراب أم لا ؟ الظاهر الثاني لأنها سيقت للإخبار بذلك ، وقيل : بل محلّها نصب عطفا على « سمعنا » و « أطعنا » أي : وقالوا أيضا : لا يكلّف اللّه نفسا . وقد خرّجت هذه القراءة على وجه آخر : وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفا لفهم المعنى ، وتجعل هذه الجملة الفعلية في محلّ نصب صفة لهذا المفعول ، والتقدير : لا يكلّف اللّه نفسا شيئا إلّا وسعها . قال ابن عطية : « وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوّز لأنه مقلوب ، وكان وجه اللفظ : إلا وسعته كما قال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 3 » وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً « 4 » ، ولكن يجيء هذا من باب : « أدخلت القلنسوة في رأسي » . قوله : لَها ما كَسَبَتْ هذه الجملة لا محلّ لها لاستئنافها وهي كالتفسير لما قبلها ؛ لأنّ عدم مؤاخذتها بكسب غيرها واحتمالها ما حصّلته هي فقط من جملة عدم تكليفها بما لا تسعه . وهل يظهر بين اختلاف لفظي فعل الكسب معنى أم لا ؟ فقال بعضهم : نعم ، وفرّق بأنّ الكسب أعمّ ، إذ يقال : « كسب لنفسه ولغيره ، و « اكتسب » أخصّ ؛ إذ لا يقال : « اكتسب لغيره » وأنشد قول الحطيئة : 1154 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة « 5 » * . . . ويقال : هو كاسب أهله ، ولا يقال : مكتسب أهله . وقال الزمخشري : « فإن قلت : لم خصّ الخير بالكسب والشرّ بالاكتساب ؟ قلت : في الاكتساب اعتمال ، ولمّا كان الشرّ ممّا تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به كانت في تحصيله أعمل وآجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه ، ولمّا لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال » . وقال ابن عطية : « وكرّر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام ، كما قال تعالى ؛ فَمَهِّلِ
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 255 ) . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 98 ) . ( 5 ) صدر بيت وعجزه : . . . * فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر انظر ديوانه ( 208 ) ، خزانة الأدب ( 3 / 294 ) .