أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

683

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أفعل خبرا للمبتدأ بخلاف كونه صفة أو حالا . وقرأ السلمي : « أن لا يرتابوا » بياء الغيبة كقراءة : « ولا يسأموا أن يكتبوه » وتقدّم توجيه ذلك . قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً في هذا الاستثناء قولان : أحدهما : أنه متصل قال أبو البقاء : « والجملة المستثناة في موضع نصب لأنه استثناء من الجنس لأنه أمر بالاستشهاد في كلّ معاملة ، واستثنى منها التجارة الحاضرة ، والتقدير : إلا في حال حضور التجارة » . والثاني : أنه منقطع ، قال مكي بن أبي طالب : « و « أن » في موضع نصب على الاستثناء المنقطع » قلت : وهذا هو الظاهر ، كأنه قيل : لكنّ التجارة الحاضرة فإنه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها . وقرأ عاصم هنا « تجارة » بالنصب ، وكذلك « حاضرة » لأنها صفتها ، وفي النساء « 1 » وافقه الأخوان ، والباقون قرؤوا بالرفع فيهما . فالرفع فيه وجهان : أحدهما : أنها التامة أي : إلا أن تحدث أو تقع تجارة ، وعلى هذا فتكون « تديرونها » في محلّ رفع صفة لتجارة أيضا ، وجاء هنا على الفصيح ، حيث قدّم الوصف الصريح على المؤول . والثاني : أن تكون الناقصة ، واسمها « تجارة » والخبر هو الجملة من قوله : « تديرونها » كأنه قيل : إلا أن تكون تجارة حاضرة مدارة ، وسوّغ مجيء اسم كان نكرة وصفه ، وهذا مذهب الفراء وتابعه آخرون . وأمّا قراءة عاصم فاسمها مضمر فيها ، فقيل : تقديره : إلا أن تكون المعاملة أو المبايعة أو التجارة . وقدّره الزجاج إلّا أن تكون المداينة ، وهو أحسن . وقال الفارسي : « ولا يجوز أن يكون التداين اسم كان لأنّ التداين معنى ، والتجارة الحاضرة يراد بها العين ، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى ، والتداين حقّ في ذمة المستدين ، للمدين المطالبة به ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان لاختلاف التداين والتجارة الحاضرة » وهذا الذي قاله الفارسي لا يظهر ردا على أبي إسحاق ، لأن التجارة أيضا مصدر ، فهي معنى من المعاني لا عين من الأعيان ، وبين الفارسي والزجاج محاورة لأمر ما . وقال الفارسيّ أيضا : « ولا يجوز أيضا أن يكون اسمها « الحقّ » الذي في قوله : « فإن كان الذي عليه الحق » للمعنى الذي ذكرنا في التداين ، لأنّ ذلك الحقّ دين ، وإذا لم يجز هذا لم يخل اسم كان ن أحد شيئين : أحدهما : أنّ هذه الأشياء التي اقتضت من الإشهاد والارتهان قد علم من فحواها التبايع ، فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه كما أضمر لدلالة الحال فيما حكى سيبويه : « إذا كان غدا فأتني » وينشد على هذا : 1136 - أعينيّ هلّا تبكيان عفاقا * إذا كان طعنا بينهم وعناقا « 2 » أي : إذا كان الأمر . والثاني : أن يكون أضمر التجارة كأنه قيل : إلا أن تكون التجارة تجارة ، ومثله ما أنشده الفراء :

--> ( 1 ) انظر سورة النساء ، آية ( 29 ) . ( 2 ) البيت في معاني الفراء ( 1 / 186 ) .