أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
682
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ونقل ابن عطية أنه مأخوذ من « قسط » بضمّ السين نحو : « أكرم » من « كرم » . وقيل : هو من القسط بالكسر وهو العدل ، وهو مصدر لم يشتقّ منه فعل ، وليس من الإقساط ؛ لأنّ أفعل لا يبنى من « الإفعال » . وهذا الذي قلته كلّه بناء منهم على أنّ الثلاثيّ بمعنى الجور والرباعيّ بمعنى العدل . ويحكى أن سعيد بن جبير لمّا سأله الظالم الحجّاج بن يوسف : ما تقول فيّ ؟ فقال : « أقول إنك قاسط عادل » ، فلم يفطن له إلا هو ، فقال : إنه جعلني جائرا كافرا ، وتلا قوله تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً « 1 » ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 2 » . وأمّا إذا جعلناه مشتركا بين عدل وبين جار فالأمر واضح قال ابن القطاع « 3 » : « قسط قسوطا وقسطا : جار وعدل ضدّ » . وحكى ابن السّيد في كتاب « الاقتضاب » له عن ابن السكيت في كتاب « الأضداد » عن أبي عبيدة : « قسط : جار ، وقسط : عدل ، وأقسط بالألف عدل لا غير . وقال أبو القاسم الراغب الأصبهاني : « القسط أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور ، والإقساط أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : قسط إذا جار ، وأقسط إذا عدل » وسيأتي لهذا أيضا مزيد بيان في سورة النساء إن شاء اللّه تعالى . و عِنْدَ اللَّهِ ظرف منصوب ب « أقسط » أي : في حكمه . وقوله « وأقوم » إنما صحّت الواو فيه لأنه أفعل تفضيل ، وأفعل التفضيل يصحّ حملا على فعل التعجب ، وصحّ فعل التعجب لجريانه مجرى الأسماء لجموده وعدم تصرّفه . و أَقْوَمُ يجوز أن يكون من « أقام » الرباعي المتعدّي ؛ لكنه حذف الهمزة الزائدة ، ثم أتى بهمزة أفعل كقوله تعالى : أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى « 4 » فيكون المعنى : أثبت لإقامتكم الشهادة ، ويجوز أن يكون من « قام » اللازم ويكون المعنى : ذلك أثبت لقيام الشهادة ، وقامت الشهادة : ثبتت ، قاله أبو البقاء . قوله : لِلشَّهادَةِ متعلّق ب « أقوم » ، وهو مفعول في المعنى ، واللام زائدة ولا يجوز حذفها ونصب مجرورها بعد أفعل التفضيل إلا ضرورة كقوله : 1135 - . . . * وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا « 5 » وقد قيل : إن « القوانس » منصوب بمضمر يدلّ عليه أفعل التفضيل ، هذا معنى كلام الشيخ « 6 » ، وهو ماش على أنّ « أقوم » من أقام المتعدي ، وأما إذا جعلته من « قام » بمعنى ثبت فاللام غير زائدة . قوله : أن لا تَرْتابُوا أي : أقرب ، وحرف الجرّ محذوف ، فقيل : هو اللام أي : أدنى لئلّا ترتابوا ، وقيل هو « إلى » وقيل : هو « من » أي : أدنى إلى أن لا ترتابوا وأدنى من أن لا ترتابوا . وفي تقديرهم « من » نظر ، إذ المعنى لا يساعد عليه . و « ترتابوا » : تفتعلوا من الرّيبة ، والأصل : « ترتيبوا » ، فقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها . والمفضّل عليه محذوف لفهم المعنى ، أي : أقسط وأقوم وأدنى لكذا من عدم الكتب ، وحسّن الحذف كون
--> ( 1 ) سورة الجن ، آية ( 15 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 1 ) . ( 3 ) علي بن جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن الحسين المعروف بابن القطاع الصقلي كان إمام وقته بمصر في علم العربية وفنون الأدب توفي سنة 515 ه ، انظر البغية ( 2 / 153 - 154 ) . ( 4 ) سورة الكهف ، آية ( 12 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 352 ) .