أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
681
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والهاء في « تكتبوه » يجوز أن تكون للدّين في أول الآية ، وأن تكون للحقّ في قوله : « فإن كان الذي عليه الحقّ » » وهو أقرب مذكور ، والمراد به « الدّين » وقيل : يعود على الكتاب المفهوم من « يكتبوه » قاله الزمخشري . و صَغِيراً أَوْ كَبِيراً حال ، أي : على أيّ حال كان الدّين قليلا أو كثيرا ، وعلى أيّ حال كان الكتاب مختصرا أو مشبعا ، وجوّز السجاوندي انتصابه على خبر « كان » مضمرة ، وهذا لا حاجة تدعو إليه ، وليس من مواضع إضماره . وقرأ السلمي : « ولا يسأموا أن يكتبوه » بالياء من تحت فيهما . والفاعل على هذه القراءة ضمير الشهداء ، ويجوز أن يكون من باب الالتفات ، فيعود : إمّا على المتعاملين وإمّا على الكتّاب . قوله : إِلى أَجَلِهِ يجوز فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه متعلّق بمحذوف أي : أن تكتبوه مستقرا في الذمّة إلى أجل حلوله . والثاني : أنه متعلّق ب « تكتبوه » ، قاله أبو البقاء . وهذا قد ردّه الشيخ « 1 » فقال : متعلق بمحذوف لا ب « تكتبوه » لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدّين إذ ينقضي في زمن يسير ، فليس نظير : « سرت إلى الكوفة . والثالث : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من الهاء ، قاله أبو البقاء . قوله : ذلِكُمْ مشار به لأقرب مذكور وهو الكتب . وقيل إليه وإلى الإشهاد ، وقيل : إلى جميع ما ذكر وهو أحسن . و أَقْسَطُ قيل : هو من أقسط إذا عدل ، ولا يكون من قسط ، لأنّ قسط بمعنى جار ، وأقسط بمعنى عدل ، فتكون الهمزة للسّلب ، إلا أنه يلزم بناء أفعل من الرباعي ، وهو شاذّ . قال الزمخشري : « فإن قلت ممّ بني أفعلا التفضيل - أعني أقسط وأقوم ؟ - قلت : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيّين من « أقسط » و « أقام » وأن يكون « أقسط » من قاسط على طريقة النسب بمعنى : ذي قسط ؛ و « أقوم » من قويم » . قال الشيخ : لم ينصّ سيبويه على أنّ أفعل التفضيل تبنى من « أفعل » ، إنما يؤخذ ذلك بالاستدلال ، فإنه نصّ في أوائل كتابه على أنّ « أفعل » للتعجب يكون من فعل وفعل وفعل وأفعل ، وظاهر هذا أن « أفعل » للتعجب يبنى منه أفعل للتفضيل ، فما اقتاس في التعجب اقتاس في التفضيل ، وما شذّ فيه شذّ فيه . وقد اختلف النحويون في بناء التعجب وأفعل التفضيل من أفعل على ثلاثة مذاهب : الجواز مطلقا ، والمنع مطلقا ، والتفضيل بين أن تكون الهمزة للنقل فيمتنع ، أو لا فيجوز ، وعليه يؤوّل كلام سيبويه ، حيث قال : « إنه يبنى من أفعل » أي الذي همزته لغير التعدية . ومن منع مطلقا قال : « لم يقل سيبويه وأفعل بصيغة الماضي » إنما قالها أفعل بصيغة الأمر ، فالتبس على السامع ، ويعني أنه يكون فعل التعجب على أفعل ، بناؤه من فعل وفعل وفعل ، وعلى أفعل . ولهذه المذاهب موضوع هو أليق بالكلام عليها .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 351 ) .