أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
680
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « إحدى » تأنيث « الواحد » قال الفارسيّ : « أنّثوه على غير بنائه ، وفي هذا نظر ، بل هو تأنيث « أحد » ولذلك يقابلونها به في : أحد عشر وإحدى عشرة وواحد وعشرين وإحدى وعشرين . وجمع « إحدى » على « إحد » نحو : كسرة وكسر . قال أبو العباس : « جعلوا الألف في الإحدى بمنزلة التاء في « الكسرة » فقالوا في جمعها : إحد كما قالوا : كسرة وكسر ، كما جعلوه مثلها في الكبرى والكبر ، والعليا والعلى ، فكما جعلوا هذه كظلمة وظلم جعلوا الأول كسدرة وسدر » قال : « وكما جعلوا الألف المقصورة بمنزلة التاء فيما ذكر جعلوا الممدودة أيضا بمنزلتها في قولهم « قاصعاء وقواصع » ودامّاء ودوامّ » يعني أن فاعلة نحو : ضاربة تجمع على ضوارب ، كذا فاعلاء نحو : قاصعاء وراهطاء تجمع على فواعل ، وأنشد ابن الأعرابي على إحدى وإحد قول الشاعر : 1132 - حتّى استثاروا بي إحدى الإحد * ليثا هزبرا ذا سلاح معتدي « 1 » قال : يقال : هو إحدى الإحد ، وأحد الأحدين ، وواحد الآحاد ، كما يقال : واحد لا مثل له ، وأنشد البيت . واعلم أنّ « إحدى » لا تستعمل إلا مضافة إلى غيرها ، فيقال : إحدى الإحد وإحداهما ، ولا يقال : جاءتني إحدى ، ولا رأيت إحدى ، وهذا بخلاف مذكّرها . و « الأخرى » تأنيث « آخر » الذي هو أفعل التفضيل ، وتكون بمعنى آخرة ، كقوله تعالى : قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ « 2 » ، ويجمع كلّ منهما على « أخر » ، ولكنّ جمع الأولى ممتنع من الصرف ، وفي علّته خلاف ، وجمع الثانية منصرف ، وبينهما فرق في المعنى ، وهذا كلّه سأوضّحه إن شاء اللّه تعالى في الأعراف فإنه أليق به . قوله : وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ مفعوله محذوف لفهم المعنى ، أي : لا يأبون إقامة الشهادة ، وقيل : المحذوف مجرور لأنّ « أبى » بمعنى امتنع ، فيتعدّى تعديته أي من إقامة الشهادة . و إِذا ما دُعُوا ظرف ل « يأب » أي : لا يمتنعون في وقت دعوتهم لأدائها ، أو لإقامتها ، ويجوز أن تكون متمحضة للظرف ، ويجوز أن تكون شرطية والجواب محذوف أي : إذا دعوا فلا يأبوا . قوله : أَنْ تَكْتُبُوهُ مفعول به والناصب له « تسأموا » لأنه يتعدّى بنفسه قال : 1133 - سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم « 3 » وقيل : بل يتعدّى بحرف الجر ، والأصل : من أن تكتبوه ، فحذف حرف الجرّ للعلم به فيجري الخلاف المشهور في « أن » بعد حذفه ، ويدلّ على تعدّيه ب « من » قوله : 1134 - ولقد سئمت من الحياة وطولها * وسؤال هذا النّاس كيف لبيد « 4 » والسّأم والسّآمة : الملل من الشيء والضّجر منه .
--> ( 1 ) البيت ذكره ابن منظور في اللسان م « وحد » . ( 2 ) سورة الأعراف ، آية ( 38 ) . ( 3 ) البيت من معلقة زهير انظر ديوانه ( 29 ) ، شرح الشنقيطي ( 86 ) . ( 4 ) البيت للبيد انظر ديوانه ( 35 ) ، المحتسب ( 1 / 189 ) ، البحر ( 2 / 351 ) .