أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
679
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وتشديد الكاف ورفع الراء ، وأبو عمرو وابن كثير بفتح « أن » وتخفيف الكاف ونصب الراء ، والباقون كذلك ، إلا أنهم يشدّدون الكاف . والمفعول الثاني محذوف أيضا في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وفعّل وأفعل هنا بمعنى ، [ نحو ] : أكرمته وكرّمته ، وفرّحته وأفرحته . قالوا : والتشديد في هذا اللفظ أكثر استعمالا من التخفيف ، وعليه قوله : 1131 - على أنّني بعد ما قد مضى * ثلاثون للهجر حولا كميلا « 1 » يذكّر نيك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا وقرأ عيسى بن عمر والجحدري : « تضلّ » مبنيا للمفعول ، وعن الجحدري أيضا : « تضلّ » بضم التاء وكسر الضاد من أضلّ كذا أي : أضاعه ، والمفعول محذوف أي : تضلّ الشهادة . وقرأ حميد بن عبد الرحمن « 2 » ومجاهد : « فتذكر » برفع الراء وتخفيف الكاف ، وزيد بن أسلم « 3 » : « فتذاكر » من المذاكرة . وقوله : إِحْداهُما فاعل « والأخرى » مفعول ، وهذا ممّا يجب تقديم الفاعل فيه لخفاء الإعراب والمعنى نحو : ضرب موسى عيسى . قال أبو البقاء : ف « إحداهما » فاعل ، و « الأخرى » مفعول ، ويصحّ العكس ، إلا أنه يمتنع على ظاهر قول النحويين في الإعراب ، لأنه إذا لم يظهر الإعراب في الفاعل والمفعول وجب تقديم الفاعل فيما يخاف فيه اللّبس ، فعلى هذا إذا أمن اللّبس جاز تقديم المفعول كقولك : « كسر العصا موسى » ، وهذه الآية من هذا القبيل لأنّ النّسيان والإذكار لا يتعيّن في واحدة منهما بل ذلك على الإبهام ، وقد علم بقوله « فتذكّر » أنّ التي تذكّر هي الذاكرة والتي تذكّر هي الناسية ، كما علم من لفظ « كسر » من يصحّ منه الكسر ، فعلى هذا يجوز أن يجعل « إحداهما » فاعلا ، و « الأخرى » مفعولا وأن تعكس » انتهى . ولمّا أبهم الفاعل في قوله : « أن تضلّ إحداهما » أبهم أيضا في قوله : « فتذكّر إحداهما » لأنّ كلا من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الإضلال والإذكار ، والمعنى : إن ضلّت هذه أذكرتها هذه ، فدخل الكلام معنى العموم . قال أبو البقاء : « فإن قيل : لم لم يقل : « فتذكّرها الأخرى » ؟ قيل فيه وجهان : أحدهما : أنه أعاد الظاهر ليدّل على الإبهام في الذّكر والنسيان ، ولو أضمر لتعيّن عوده على المذكور . والثاني : أنه وضع الظاهر موضع المضمر ، تقديره : « فتذكّرها » وهذا يدلّ على أن « إحداهما » الثانية مفعول مقدم ، ولا يجوز أن يكون فاعلا في هذا الوجه ، لأنّ المضمر هو المظهر بعينه ، والمظهر الأول فاعل « تضلّ » فلو جعل الضمير لذلك المظهر لكانت الناسية هي المذكّرة ، وذا محال » قلت : وقد يتبادر إلى الذهن أنّ الوجهين راجعان لوجه واحد قبل التأمّل ، لأنّ قوله : « أعاد الظاهر » قريب من قوله : « وضع الظاهر موضع المضمر » .
--> ( 1 ) البيتان للعباس بن مرداس انظر ديوانه الكتاب ( 2 / 158 ) ، ابن يعيش ( 4 / 130 ) ، الإنصاف ( 1 / 308 ) ، المغني ( 2 / 572 ) ، الدرر ( 1 / 210 ) ، الخزانة ( 3 / 299 ) ، المعني فيه أنه يقول : أنني لم أنس عهدك على بعده فكلما حنث عرجول وهي الفاقدة ولدها من الإبل وغيرها أو ناحت حمامة رقت نفسي فذكرتك . ( 2 ) حميد بن عبد الرحمن تابعي مشهور روى عنه قتادة وتوفي سنة 95 ه ، تهذيب التهذيب ( 3 / 45 ) . ( 3 ) زيد بن أسلم العدوي العمري المدني مولى عمر رضي اللّه عنه توفي سنة 136 ه وانظر ترجمته مفصلا في تقدمتنا لوسيط الواحدي . وانظر غاية النهاية ( 1 / 296 ) .