أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
678
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وغير مكانه وجب أن يفتح أن » . وقال الفارسي : « ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها والقياس يفسدها ، ألا ترى أنّا نجد الحرف العامل إذا تغيّرت حركته لم يوجب ذلك تغيّرا في عمله ولا معناه ، وذلك ما رواه أبو الحسن من فتح اللام الجارّة مع المظهر عن يونس وأبي عبيدة وخلف الأحمر ، فكما أنّ هذه اللام لمّا فتحت لم يتغيّر من عملها ومعناها شيء ، كذلك « إن » الجزائية ينبغي إذا فتحت ألّا يتغيّر عملها ولا معناها ، وممّا يبعده أيضا أنّا نجد الحرف العامل لا يتغيّر عمله بالتقديم ولا بالتأخير ، ألا ترى لقولك : « مررت بزيد » ثم تقول : « بزيد مررت » فلم يتغيّر عمل الباء بتقديمها من تأخير » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « فتذكر » بتخفيف الكاف ونصب الراء من أذكرته أي : جعلته ذاكرا للشيء بعد نسيانه ، فإنّ المراد بالضلال هنا النسيان كقوله تعالى : فَعَلْتُها إذن وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ « 1 » وأنشدوا الفرزدق : 1130 - ولقد ضللت أباك يدعو دارما * كضلال ملتمس طريق وبار « 2 » فالهمزة في « أذكرته » للنقل والتعدية ، والفعل قبلها متعدّ لواحد ، فلا بدّ من آخر ، وليس في الآية إلا مفعول واحد فلا بدّ من اعتقاد حذف الثاني ، والتقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة بعد نسيانها إن نسيتها ، وهذا التفسير هو المشهور . وقد شذّ بعضهم فقال : « معنى فتذكر إحداهما الأخرى أي : فتجعلها ذكرا ، أي : تصيّر حكمها حكم الذّكر في قبول الشهادة . وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال : « فتذكّر إحداهما الأخرى بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان ، تقول لها : هل تذكرين إذ شهدنا كذا يوم كذا في مكان كذا على فلان أو فلانة ، ومن قرأ « فتذكر » بالتخفيف فقال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها فقد أذكرتها لقيامهما مقام ذكر » ولم يرتض هذا من أبي عمرو المفسرون وأهل اللسان ، بل لم يصحّحوا رواية ذلك عنه لمعرفتهم بمكانته من العلم ، وردّوه على قائله من وجوه منها : أنّ الفصاحة تقتضي مقابلة الضلال المراد به النسيان بالإذكار والتذكير ، ولا تناسب في المقابلة بالمعنى المنقول عنه . ومنها : أنّ النساء لو بلغن ما بلغن من العدد لا بد معهنّ من رجل يشهد معهم ، فلو كان ذلك المعنى صحيحا لذكّرتها بنفسها من غير انضمام رجل ، هكذا ذكروا ، وينبغي أن يكون ذلك فيما يقبل فيه الرجل مع المرأتين ، وإلّا فقد نجد النساء يتمحّضن في شهادات من غير انضمام رجل إليهنّ ، ومنها : أنها لو صيّرتها ذكرا لكان ينبغي أن يكون ذلك في سائر الأحكام ، ولا يقتصر به على ما فيه . . . وفيه نظر أيضا ، وإذ هو مشترك الإلزام لأنه يقال : وكذا إذا فسّرتموه بالتذكير بعد النسيان لم يعمّ الأحكام كلّها ، فما أجيب به فهو جوابهم أيضا . وقال الزمخشري : « ومن بدع التفاسير : « فتذكّر » فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا ، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذّكر » انتهى . ولم يجعل هذا القول مختصا بقراءة دون أخرى . وأمّا نصب الراء فنسق على « أن تضلّ » لأنّهما يقرآن : « أن تضلّ » بأن الناصبة ، وقرأ الباقون بتشديد الكاف من « ذكّرته » بمعنى جعلته ذاكرا أيضا ، وقد تقدّم أنّ حمزة وحده هو الذي يرفع الراء . وخرج من مجموع الكلمتين أنّ القرّاء على ثلاث مراتب : فحمزة وحده : « إن تضلّ فتذكّر » بكسر « إن »
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 20 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 2 / 450 ) ، اللسان « ضلل » .