أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
653
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ : « هداهم » : اسم ليس وخبرها الجارّ والمجرور . و « الهدى » مصدر مضاف إلى المفعول ، أي : ليس عليك أن تهديهم ، ويجوز أن يكون مضافا لفاعله ، أي : ليس عليك أن يهتدوا ، يعني : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء . وفيه طباق معنويّ ، إذ التقدير : هدى للضالين . وفي قوله : « ولكنّ اللّه يهدي » مع قوله « هداهم » جناس مغاير لأنّ إحدى الكلمتين اسم والأخرى فعل . ومفعول « يشاء » محذوف ، أي : هدايته . وقوله : فَلِأَنْفُسِكُمْ خبر لمبتدأ محذوف أي : فهو لأنفسكم . وقوله : « إلّا ابتغاء » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول من أجله أي : لأجل ابتغاء وجه اللّه ، والشروط هنا موجودة . والثاني : أنه مصدر في محل الحال ، أي : إلّا مبتغين ، وهو في الحالين استثناء مفرّغ ، والمعنى : وما تنفقون نفقة معدّا بقبولها إلّا ابتغاء وجه اللّه ، أو يكون المخاطبون بهذا ناسا مخصوصين ، وهم الصحابة ، لأنهم كانوا كذلك ، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين لأنّ كثيرا ينفق لابتغاء غير وجه اللّه . قوله : يُوَفَّ جواب الشرط ، وقد تقدّم أنه يقال : « وفّى » بالتشديد و « وفى » بالتخفيف و « أوفى » رباعيا . وقوله : وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ جملة من مبتدإ وخبر في محلّ نصب على الحال من الضمير في « إليكم » ، والعامل فيها « يوفّ » ، وهي تشبه الحال المؤكّدة لأنّ معناها مفهوم من قوله : « يوفّ إليكم » لأنهم إذا وفّوا حقوقهم لم يظلموا . ويجوز أن تكون مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، أخبرهم فيها أنه لا يقع عليهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم في طاعة اللّه تعالى اندراجا أوّليّا . قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ : في تعلّق هذا الجارّ خمسة أوجه : أحدها : - وهو الظاهر - أنه متعلّق بفعل مقدر يدلّ عليه سياق الكلام ، واختلفت عبارات المعربين فيه ، فقال مكي - ولم يذكر غيره - : « أعطوا للفقراء » وفي هذا نظر ، لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى ، ولا تزاد اللام إلا لضعف العالم : « إمّا بتقدّم معموله كقوله تعالى : لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ « 1 » ، وإمّا لكونه فرعا نحو قوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 2 » ويبعد أن يقال : لمّا أضمر العامل ضعف فقوي باللام ، على أنّ بعضهم يجيز ذلك وإن لم يضعف العامل وجعل منه رَدِفَ لَكُمْ « 3 » ، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وقدّره أبو البقاء : « اعجبوا للفقراء » وفيه نظر ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب . وقدّره الزمخشري : « اعمدوا أو اجعلوا ما تنفقون »
--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 43 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 107 ) . ( 3 ) سورة النمل ، آية ( 72 ) .