أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
654
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والأحسن من ذلك ما قدّره مكي ، لكن فيه ما تقدّم . الثاني : أنّ هذا الجارّ خبر مبتدإ محذوف ، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء ، وهو في المعنى جواب لسؤال مقدّر ، كأنهم لمّا حثّوا على الصدقات قالوا : فلمن هي ؟ فأحثّوا بأنها لهؤلاء ، وفيها فائدة بيان مصرف الصدقات . وهذا اختيار ابن الأنباري قال : « كما تقول : « عاقل لبيب » ، وقد تقدّم وصف رجل ، أي : الموصوف عاقل ، وتكتبون على الأكياس : « ألفان ومئتان » ، أي : الذي في الكيس ألفان . وأنشد : 1085 - تسألني عن زوجها أيّ فتى * خبّ جرّوز وإذا جاع بكى « 1 » يريد : هو خبّ . الثالث : أنّ اللام تتعلّق بقوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ « 2 » وهو مذهب القفّال ، واستبعده الناس لكثرة الفواصل . الرابع : أنه متعلّق بقوله : « وما تنفقوا من خير » وفي هذا نظر من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب ، فيصير نظير قولك : « من يكرم أحسن إليه زيدا . وقد صرّح بالمنع من ذلك - معلّلا بما ذكرته - الواحديّ فقال : « ولا يجوز أن يكون العامل في هذه اللام « تنفقوا » الأخير في الآية المتقدمة ، لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه كما لا يجوز : « كانت زيدا الحمّى تأخذ » . الخامس : أنّ « للفقراء » بدل من قوله : « فلأنفسكم » ، وهذا مردود قال الواحدي وغيره : « لأنّ بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه ، وليس كذلك ذكر النفس ههنا ، لأنّ الإنفاق من حيث هو عائد عليها ، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم ، وليس من باب وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا « 3 » لأنّ الأمر لازم للمستطيع خاصة » قلت : يعني أنّ الفقراء ليست هي الأنفس ولا جزءا منها ولا مشتملة عليها ، وكأن القائل بذلك توهّم أنه من باب قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 4 » في أحد التأويلين . والفقير : قيل : أصله من « فقرته الفاقرة » أي : كسرت فقارات ظهره الداهية . قال الراغب : « وأصل الفقير : هو المكسور الفقار ، يقال : « فقرته الفاقرة » أي : الداهية تكسر الفقار ، و « أفقرك الصيد فارمه » أي أمكنك من فقاره . وقيل : هو من الفقرة أي الحفرة ، ومنه قيل لكل حفرة يجتمع فيها الماء : فقير . وفقرت للغسيل حفرت له حفرة : غرسته فيها . قال : 1086 - ما ليلة الفقير إلا الشيطان « 5 » * . . . قيل : هو اسم بئر . وفقرت الخزرع : ثقبته . وقال الهروي : يقال « فقره » إذا أصاب فقار ظهره نحو : رأسه أي : أصاب رأسه ، وبطنه : أي أصاب بطنه . وقال الأصمعي : « الفقير : أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص الحزّ إلى العظم ، ثم يلوى عليه جرير يذلّل به الصّعب من الإبل ، ومنه قيل : عمل به الفاقرة » . والفقرات - بكسر الفاء وفتح
--> ( 1 ) البيت للشماخ انظر ديوانه ( 107 ) ، المحتسب ( 1 / 60 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 271 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 97 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 29 ) . ( 5 ) البيت للجليخ . انظر جمهرة ابن دريد ( / ) ، المفردات للراغب ( 398 ) .