أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
650
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 271 ] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) قوله تعالى : فَنِعِمَّا هِيَ : الفاء جواب الشرط ، و « نعم » فعل ماض للمدح نقيض بئس ، وحكمها في عدم التصرف والفاعل واللغات حكم بئس كما تقدّم فلا حاجة إلى الإطالة بتكراره . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي هنا وفي النساء : « فنعما » بفتح النون وكسر العين ، وهذه على الأصل ، لأنّ الأصل على « فعل » كعلم وقرأ ابن كثير وورش وحفص بكسر النون والعين ، وإنما كسر النون اتباعا لكسرة العين وهي لغة هذيل . قيل : وتحتمل قراءة كسر العين أن يكون أصل العين السكون ، فلمّا وقعت بعدها « ما » وأدغم ميم « نعم » فيها كسرت العين لالتقاء الساكنين ، وهو محتمل . وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسر النون وإخفاء حركة العين . وروي عنهم الإسكان أيضا ، واختاره أبو عبيد ، وحكاه لغة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نحو قوله : « نعمّا المال الصالح مع الرجل الصالح » « 1 » . والجمهور على اختيار الاختلاس على الإسكان ، بل بعضهم يجعله من وهم الرواة عن أبي عمرو ، وممّن أنكره المبرد والزجاج والفارسي قالوا : لأنّ فيه جمعا بين ساكنين على غير حدّهما . قال المبرد : « لا يقدر أحد أن ينطق به ، وإنما يروم الجمع بين ساكنين فيحرّك ولا يشعر » وقال الفارسي : « لعل أبا عمرو أخفى فظنّه الراوي سكونا » . وقد تقدّم الكلام على « ما » اللاحقة لنعم وبئس . و « هي » مبتدأ ضمير عائد على الصدقات على حذف مضاف ، أي : فنعم إبداؤها ، ويجوز أن لا يقدّر مضاف ، بل يعود الضمير على « الصدقات » بقيد صفة الإبداء تقديره : فنعمّا هي أي : الصدقات المبداة . وجملة المدح خبر عن « هي » ، والرابط العموم ، وهذا أولى الوجوه ، وقد تقدّم تحقيقها . والضمير في « وإن تخفوها » يعود على الصدقات . فقيل : يعود عليها لفظا ومعنى . وقيل : يعود على الصدقات لفظا لا معنى ، لأنّ المراد بالصدقات المبداة الواجبة ، وبالمخفاة : المتطوّع بها ، فيكون من باب « عندي درهم ونصفه » ، أي : ونصف درهم آخر ، وكقوله : 1084 - كأنّ ثياب راكبه بريح * خريق وهي ساكنة الهبوب « 2 » أي : وريح أخرى ساكنة الهبوب ، ولا حاجة إلى هذا في الآية . والفاء في قوله : « فهو » جواب الشرط ، والضمير يعود على المصدر المفهوم من « تخفوها » أي : فالإخفاء ، كقوله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ و « لكم » صفة لخير ، فيتعلّق بمحذوف . و « خير » يجوز أن يكون للتفضيل ، فالمفضّل عليه محذوف أي : خير من إبدائها ، ويجوز أن يراد به الوصف بالخيريّة أي : خير لكم من الخيور .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 4 / 197 - 202 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 2 ) ، وابن أبي شيبة في مصنفه ( 7 / 18 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 324 ) .