أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

651

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفي قوله : « إِنْ تُبْدُوا » ، و إِنْ تُخْفُوها » نوع من البديع وهو الطباق اللفظي . وفي قوله : « وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ » طباق معنوي ، لأنه لا يؤتي الصدقات إلا الأغنياء ، فكأنه قيل : إن يبد الأغنياء الصدقات ، وإن يخف الأغنياء الصدقات ، ويؤتوها الفقراء ، فقابل الإبداء بالإخفاء لفظا ، والأغنياء بالفقراء معنى . قوله : وَيُكَفِّرُ قرأ الجمهور « ويكفّر » بالواو ، والأعمش بإسقاطها والياء وجزم الراء . وفيها تخريجان : أحدهما : أنه بدل من موضع قوله : « فهو خير لكم » لأنه جواب الشرط كأنّ التقدير : وإن تخفوها يكن خيرا لكم ويكفّر . والثاني : أنه حذف حرف العطف فتكون كالقراءة المشهورة ، والتقدير : « ويكفّر » وهذا ضعيف جدا . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بالنون ورفع الراء ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالنون وجزم الراء ، وابن عامر وحفص عن عاصم : بالياء ورفع الراء ، والحسن بالياء وجزم الراء ، وروي عن الأعمش أيضا بالياء ونصب الراء ، وابن عباس : « وتكفّر » بتاء التأنيث وجزم الراء ، وعكرمة كذلك إلا أنه فتح الفاء على ما لم يسمّ فاعله ، وابن هرمز بالتاء ورفع الراء ، وشهر بن حوشب - ورويت عن عكرمة أيضا - بالتاء ونصب الراء ، وعن الأعمش أيضا بالنون ونصب الراء ، فهذه إحدى عشرة قراءة ، والمشهور منها ثلاث . فمن قرأ بالياء ففيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه أضمر في الفعل ضمير اللّه تعالى ، لأنه هو المكفّر حقيقة ، وتعضده قراءة النون فإنها متعيّنة له . والثاني : أنه يعود على الصرف المدلول عليه بقوة الكلام ، أي : ويكفّر صرف الصدقات . والثالث : أنه يعود على الإخفاء المفهوم من قوله : « وإن تخفوها » ، ونسب التكفير للصرف والإخفاء مجازا ، لأنهما سبب للتكفير ، وكما يجوز إسناد الفعل إلى فاعله يجوز إسناده إلى سببه . ومن قرأ بالتاء ففي الفعل ضمير الصدقات ونسب التكفير إليها مجازا كما تقدّم . ومن بناه للمفعول فالفاعل هو اللّه تعالى أو ما تقدّم . ومن قرأ بالنون فهي نون المتكلم المعظّم نفسه . ومن جزم الراء فللعطف على محلّ الجملة الواقعة جوابا للشرط ، ونظيره قوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ في قراءة من جزم « ويذرهم » « 1 » . ومن رفع فعلى ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب ، وتكون الواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام آخر . والثاني : أنه خبر مبتدإ مضمر ، وذلك المبتدأ : إمّا ضمير اللّه تعالى أو الإخفاء أي : وهو يكفّر فيمن فرأ بالياء أو ونحن نكفّر فيمن قرأ بالنون أو وهي تكفّر فيمن قرأ بتاء التأنيث . والثالث : أنه عطف على محلّ ما بعد الفاء ، إذ لو وقع مضارع بعدها لكان مرفوعا كقوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ « 2 » ونظيره وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ « 3 » في قراءة من رفع .

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 186 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 95 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 186 ) .