أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
65
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الفعل ، وقد تقدم دليل الفريقين . وقرئ شاذا « 1 » بنصب الدال من « الحمد » وفيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب على المصدرية ، ثم حذف العامل ، وناب المصدر منابه ، كقولهم في الإخبار : حمدا وشكرا لا كفرا ، والتقدير : أحمد اللّه حمدا ، فهو مصدر نائب عن جملة خبرية . وقال الطبري « 2 » : إن في ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه ، فكأنه قال : قولوا الحمد للّه ، وعلى هذا يجيء « قولوا إياك » فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر ، وهو محتمل للوجهين ، ولكن كونه خبريا أولى من كونه طلبيا ، ولا يجوز إظهار هذا الناصب لئلا يجمع بين البدل والمبدل منه . والثاني : أنه منصوب على المفعول به أي اقرأوا الحمد ، أو اتلوا الحمد ، كقولهم : « اللهم ضبعا وذئبا » أي : اجمع ضبعا ، والأول أحسن للدلالة اللفظية . وقراءة الرفع أمكن وأبلغ من قراءة النصب ، لأن الرفع في باب المصادر التي أصلها النيابة عن أفعالها يدل على الثبوت والاستقرار ، بخلاف النصب فإنه يدل على التجدد والحدوث ، ولذلك قال العلماء : إن جواب خليل الرحمن عليه السّلام في قوله تعالى حكاية عنه : قالَ : سَلامٌ « 3 » أحسن من قول الملائكة : قالُوا : سَلاماً امتثالا لقوله تعالى : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها « 4 » . و « للّه » على قراءة النصب يتعلق بمحذوف لا بالمصدر ، لأنها للبيان تقديره : أعني للّه كقولهم سقيا له ، ورعيا لك ، تقديره : أعني له ولك ، ويدل على أن اللام تتعلق في هذا النوع بمحذوف لا بنفس المصدر أنهم لم يعملوا المصدر المتعدي في المجرور باللام فينصبوه فيقولوا : سقيا زيدا ، ولا رعيا عمرا ، فدل على أنه ليس معمولا للمصدر ، ولذلك غلط من جعل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ من باب الاشتغال ، لأن « لهم » لم يتعلق بتعسا كما مر . ويحتمل أن يقال : إن اللام في ( سقيا لك ) ونحوه مقوية لتعدية العامل لكونه فرعا عاملا فيما بعده . وقرئ أيضا بكسر الدال « 5 » ، ووجهه أنها حركة اتباع لكسرة لام الجر بعدها ، وهي لغة تميم ، وبعض غطفان يتبعون الأول للثاني للتجانس . ومنه : « اضرب الساقين أمك هابل » « 6 » بضم نون التثنية لأجل ضم الهمزة ومثله : 38 - ويلمّها في هواء الجوّ طالبة * ولا كهذا الّذي في الأرض مطلوب « 7 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 18 ) . ( 2 ) محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر المفسر المؤرخ الإمام صاحب التفسير والتاريخ واختلاف الفقهاء ، توفي سنة 310 ه . إرشاد الأريب ( 6 / 423 ) ، ابن السبكي ( 2 / 135 ) ، البداية والنهاية ( 11 / 145 ) ، تذكرة الحفاظ ( 2 / 351 ) . ( 3 ) سورة هود ، آية ( 69 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 86 ) . ( 5 ) ابن خالويه ( 1 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 4 / 146 ) . وانظر الخصائص ( 2 / 145 ) ، شرح شواهد الشافية ( 179 ) ، القرطبي ( 1 / 136 ) ، والهابل من هبلته أمه ، أي : ثكلته وعدمته . ( 7 ) البيت لامرىء القيس ( 47 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 114 ) ، سر الصناعة ( 1 / 240 ) ، رصف المباني ( 43 ) ، ذكر الأعلم أن الكاف في قوله : « ولا كهذا » في تأويل « مثل » ، وأن موضعها موضع رفع ، وأن قوله : « مطلوب » في آخر البيت عطف على موضع الكاف أي : فالكاف هي خبر لا واسمها محذوف وكأنه قال : لا شيء مثل هذا وتقديره كالتقدير في قولك : « لا كزيد رجل » فإنه بمعنى : لا رجل مثل زيد رجل ، وامرؤ القيس يصف في هذا البيت عقابا تتبع ذئبا ليصيده فتعجب منها في شدة طلبها ومنه في سرعته وهروبه وأراد أن يقول ويل أمها فأسقط