أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
649
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تقديره : منافقا أيّ منافق ، وهذا نادر ، وقد تقدّم أنّ تقدير الزمخشري كذلك ، أعني كونه حذف موصوف أيّ . وأصل « يذّكّر » : يتذكّر فأدغم . قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ : كقوله : ما نَنْسَخْ « 1 » وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ « 2 » وقد تقدّم تحقيق القول فيهما . وتقدّم أيضا مادة « نذر » في قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ « 3 » ، إلّا أنّ النّذر له خصوصية : وهو عقد الإنسان ضميره على شيء والتزامه ، وفعله : نذر - بالفتح - ينذر وينذر : بالكسر والضّمّ في المضارع ، يقال : نذر فهو ناذر ، قال عنترة : 1081 - الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما * والنّاذرين إذا لم القهما دمي « 4 » وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ جواب الشرط إن كانت « ما » شرطية ، أو زائدة في الخبر إن كانت موصولة . ووحّد الضمير في « يعلمه » وإن كان قد تقدّم شيئان : النّفقة والنّذر لأنّ العطف هنا ب « أو » ، وهي لأحد الشيئين ، تقول : « إن جاء زيد أو عمرو أكرمته » ، ولا يجوز : أكرمتهما ، بل يجوز أن تراعي الأول نحو : « زيد أو هند منطلق ، أو الثاني نحو : زيد أو هند منطلقة ، والآية من هذا ، ولا يجوز أن يقال : منطلقان . ولهذا تأوّل النحويون : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما « 5 » كما سيأتي . ومن مراعاة الأول قوله : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها « 6 » ، وبهذا الذي قررته لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون هنا : فروي عن النحاس أنه قال : « التقدير : وما أنفقتم من نفقة فإن اللّه يعلمها ، أو نذرتم من نذر فإنّ اللّه يعلمه ، فحذف ، ونظره بقوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها « 7 » وقوله : 1082 - نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرّأي مختلف « 8 » وقول الآخر : 1083 - رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطويّ رماني « 9 » وهذا لا يحتاج إليه ؛ لأنّ ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين الشيئين ، وأمّا « أو » المقتضية لأحد الشيئين فلا . وقال ابن عطية : « ووحّد الضمير في « يعلمه » وقد ذكر شيئين من حيث إنه أراد ما ذكر أو ما نصّ » ، ولا حاجة إلى هذا أيضا لما عرفت من حكم « أو » .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 206 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 197 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 222 ) ، شرح القصائد العشر ( 377 ) ، العيني ( 3 / 551 ) ، الأشموني ( 2 / 246 ) . ( 5 ) سورة النساء ، آية ( 135 ) . ( 6 ) سورة الجمعة ، آية ( 11 ) . ( 7 ) سورة التوبة ، آية ( 34 ) . ( 8 ) البيت لمالك بن العجلان وقيل لقيس بن الحطيم وهو في ديوانه ( 173 ) ، انظر الكتاب ( 1 / 38 ) ، الأشموني ( 3 / 152 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 96 ) . ( 9 ) البيت لعمرو بن أحمر وينسب للأزرق بن طرفة الفراصي كما في اللسان ( حول ) انظر الكتاب ( 1 / 75 ) ، الهمع ( 1 / 116 ) ، الدرر ( 1 / 85 ) ، شرح الحماسة ( 2 / 936 ) ، معاني الفراء ( 2 / 458 ) ، إعراب النحاس ( 2 / 50 ) ، والطوى : البئر المطوية بالحجارة ، رماني : أي قذفني بأمر أكرهه .