أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
645
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 267 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 ) قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ : في مفعول « أنفقوا » قولان : أحدهما : أنه المجرور ب « من » ، و « من » للتبعيض أي : أنفقوا بعض ما رزقناكم . والثاني : أنه محذوف قامت صفته مقامه ، أي : شيئا ممّا رزقناكم ، وتقدّم له نظائر . و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية . والعائد محذوف لاستكمال الشروط ، أي : كسبتموه ، وأن تكون مصدرية أي : من طيبات كسبكم ، وحينئذ لا بدّ من تأويل هذا المصدر باسم المفعول أي : مكسوبكم ، ولهذا كان الوجه الأول أولى . و مِمَّا أَخْرَجْنا عطف على المجرور ب « من » بإعادة الجار ، لأحد معنيين : إمّا التأكيد وإمّا للدلالة على عامل آخر مقدر ، أي : وأنفقوا ممّا أخرجنا . ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : ومن طيبات ما أخرجنا . و « لكم » متعلّق ب « أخرجنا » ، واللام للتعليل . و « من الأرض » متعلّق ب « أخرجنا » أيضا ، و « من » لابتداء الغاية . قوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ الجمهور على « تيمّموا » ، والأصل : تتيمّموا بتاءين ، فحذفت إحداهما تخفيفا : إمّا الأولى وإمّا الثانية ، وقد تقدّم تحرير القول فيه عند قوله : تَظاهَرُونَ « 1 » . وقرأ البزي هنا وفي مواضع أخر بتشديد التاء ، على أنه أدغم التاء الأولى في الثانية ، وجاز ذلك هنا وفي نظائره ؛ لأنّ الساكن الأول حرف لين ، وهذا بخلاف قراءته ناراً تَلَظَّى « 2 » إِذْ تَلَقَّوْنَهُ « 3 » فإنه فيه جمع بين ساكنين والأول حرف صحيح ، وفيه كلام لأهل العربية يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى . وقرأ ابن عباس والزهري « تيمّموا » بضم التاء وكسر الميم الأولى وماضيه : يمّم ، فوزن « تيمّموا » على هذه القراءة : تفعّلوا من غير حذف ، وروي عن عبد اللّه « تؤمّموا » من أمّمت أي قصدت . والتيممّ : القصد ، يقال : أمّ كردّ ، وأمّم كأخّر ، ويمّم ، وتيمّم بالتاء والياء معا ، وتأمّم بالتاء والهمزة ، وكلّها بمعنى قصد . وفرّق الخليل - رحمه اللّه - بينها بفروق لطيفة فقال : « أمّمته قصدت أمامه ، ويمّمته : قصدت . . . ويمّمته : قصدته من أي جهة كان . والخبيث والطيب : صفتان غالبتان لا يذكر موصوفهما : قال : الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ « 4 » ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ « 5 » ، قال عليه السّلام : « من الخبث والخبائث » « 6 » . قوله : مِنْهُ تُنْفِقُونَ « منه » متعلّق ب « تنفقون » ، وتنفقون في محلّ نصب على الحال من الفاعل « تيمّموا » أي
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 85 ) . ( 2 ) سورة الليل ، آية ( 14 ) . ( 3 ) سورة النور ، آية ( 15 ) . ( 4 ) سورة النور ، آية ( 26 ) . ( 5 ) سورة الأعراف ، آية ( 157 ) . ( 6 ) غير مخرج في الأصل 370 .