أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

646

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لا تقصدوا الخبيث منفقين منه ، قالوا : وهي حال مقدّرة ، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه ، قاله أبو البقاء وغيره . والثاني : أنها حال من الخبيث ، لأن في الجملة ضميرا يعود إليه أي : لا تقصدوا منفقا منه . والثالث : أنه مستأنف ابتداء إخبار بذلك ، وتمّ الكلام عند قوله : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » ثم ابتدأ خبرا آخر ، فقال : تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم ، كأن هذا عتاب للناس وتقريع ، وهذا يردّه المعنى . قوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ فيها قولان : أحدهما : أنها مستأنفة لا محلّ لها ، وإليه ذهب أبو البقاء . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال ، ويظهر هذا ظهورا قويا عند من يرى أن الكلام قد تمّ عند قوله : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » وما بعده استئناف ، وقد تقدّم تفسير معناه . والهاء في « بآخذيه » تعود على « الخبيث » وفيها وفي نحوها من الضمائر المتصلة باسم الفاعل قولان مشهوران : أحدهما : أنها في محلّ جر وإن كان محلّها منصوبا لأنها مفعول في المعنى . والثاني : - وهو رأي الأخفش - أنها في محلّ نصب ، وإنما حذف التنوين والنون في نحو : « ضاربيك » للطافة الضمير ، ومذهب هشام أنه يجوز ثبوت التنوين مع الضمير ، فيجيز : « هذا ضاربنك » بثبوت التنوين ، وقد يستدلّ لمذهبه بقوله : 1078 - هم الفاعلون الخير والآمرونه * . . . « 1 » وقوله الآخر : 1079 - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه * . . . « 2 » فقد جمع بين النون النائبة عن التنوين وبين الضمير . ولهذه الأقوال أدلة مذكورة في كتب القوم . قوله : إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا الأصل : إلّا بأن ، فحذف حرف الجر مع « أن » فيجيء فيها القولان : أهي في محلّ جر أم نصب ؟ وهذه الباء تتعلّق « تيمّموا » « بآخذيه » . وأجاز أبو البقاء أن تكون « أن » وما في حيّزها في محلّ نصب على الحال ، والعامل فيها « آخذيه » . والمعنى : لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض ،

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) صدر بيت وعجزه : . . . * جميعا وأيدي المعتفين رواهقه وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 188 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 125 ) ، الكامل ( 317 ) ، الخزانة ( 4 / 271 ) ، الكامل ( 1 / 364 ) ، المقرب ( 1 / 25 ) . الارتفاق : الاتكاء على المرفق وهذا كناية عن عدم اشتغاله عن قضاء حوائج الناس والمعتقون : الذين يطلبون المعروف والإحسان رواهق : جمع راهقة ، يقال : رهقه إذا غشيه وأتاه الشاهد فيه قوله « احتروته » حيث جمع فيها بين النون والضمير وقد حمل هذا على أن الهاء هاء السكت أتى بها بيانا لحركة النون إجراء للوصل مجرى الوقف ضرورة . وهذا الشاهد كسابقه .