أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
644
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « وظاهر كلامه أن يكون « أصابه » معطوفا على متعلّق وهو « أن تكون » لأنه في معنى « لو كانت » ، إذ يقال : أيودّ أحدكم كانت ، وهذا ليس بشيء ، لأنه يمتنع من حيث المعنى أن يكون معطوفا على « كانت » التي قبلها « لو » لأنه متعلّق الودّ ، وأمّا « أصابه الكبر » فلا يمكن أن يكون متعلّق الودّ ، لأنّ « أصابه الكبر » لا يودّه أحد ولا يتمنّاه ، لكن يحمل قول الزمخشري على أنه لمّا كان « أيودّ » استفهاما معناه الإنكار جعل متعلّق الودادة الجمع بين الشيئين ، وهما : كون جنة له وإصابة الكبر إياه ، لا أنّ كلّ واحد منهما يكون مودودا على انفراده ، وإنما أنكروا ودادة الجمع بينهما » . قوله : وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من الهاء في « وأصابه » . وقد تقدّم اشتقاق الذريّة « 2 » . وقرئ « 3 » « ضعاف » ، وضعفاء وضعاف منقاسان في ضعيف ، نحو : ظريف وظرفاء وظراف ، وشريف وشرفاء وشراف . وقوله : فَأَصابَها إِعْصارٌ هذه الجملة عطف على صفة الجنة قبلها ، قاله أبو البقاء ، يعني على قوله : « مِنْ نَخِيلٍ » وما بعده . وأتى في هذه الآيات كلّها نحو « فأصابها وابل - وأصابه الكبر ، فأصابها إعصار » لأنه أبلغ وأدلّ على التأثير بوقوع الفعل على ذلك الشيء ، من أنه لم يذكر بلفظ الإصابة ، حتى لو قيل : « وبل » و « كبر » وأعصرت » لم يكن فيه ما في لفظ الإصابة من المبالغة . والإعصار : الريح الشديدة المرتفعة ، وتسمّيها العامّة : الزّوبعة . وقيل : هي الريح السّموم ، سمّيت بذلك لأنها تلفّ كما يلفّ الثوب المعصور ، حكاه المهدوي . وقيل : لأنها تعصر السحاب ، وتجمع على أعاصير ، قال : 1076 - وبينما المرء في الأحياء مغتبط * إذ هو في الرّمس تعفوه الأعاصير « 4 » والإعصار من بين سائر أسماء الريح مذكر ، ولهذا رجع إليه الضمير مذكّرا في قوله : « فيه نار » . و « نار » يجوز فيه الوجهان : أعني الفاعلية والجارّ قبلها صفة ل « إعصارا » ، والابتدائية والجارّ قبلها خبرها ، والجملة صفة « إعصار » ، والأول أولى لما تقدّم من أنّ الوصف بالمفرد أولى ، والجارّ أقرب إليه من الجملة . وقوله : فَاحْتَرَقَتْ أي : أحرقها فاحترقت ، فهو مطاوع لأحرق الرباعي ، وأمّا « حرق » من قولهم : « حرق ناب الرجل » إذا اشتدّ غيظه ، فيستعمل لازما ومتعديا ، قال : 1077 - أبى الضّيم والنّعمان يحرق نابه * عليه فأفضى والسّيوف معاقله « 5 » روي برفع « نابه » ونصبه . وقوله : « كذلك يبيّن » إلى آخره قد تقدّم نظيره .
--> ( 1 ) البحر المحيط ( 2 / 314 ) . ( 2 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 128 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 324 ) . ( 4 ) البيت لعشير بن لبيد ونسب لغيره انظره في أمالي القالي ( 2 / 177 ) ، رصف المباني ( 318 ) ، الدرر ( 1 / 173 ) ، اللسان « دهر » . ( 5 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 143 ) ، الكامل ( 1 / 120 ) ، الجمهرة ( 2 / 139 ) ، المحتسب ( 1 / 58 ) ، البحر ( 2 / 303 ) ، شرح الحماسة للمرزوقي ( 2 / 576 ) ، التهذيب « حرق » ( 1 / 44 ) .