أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

64

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والألف واللام في « الحمد » قيل : للاستغراق ، وقيل : لتعريف الجنس واختاره الزمخشري قال الشاعر : 35 - . . . . * إلى الماجد القرم الجواد المحمّد « 1 » وقيل : للعهد . ومنع الزمخشري كونها للاستغراق ، ولم يبين وجه ذلك ، ويشبه أن يقال : إن المطلوب من العبد إنشاء الحمد لا الإخبار به ، وحينئذ يستحيل كونها للاستغراق إذ لا يمكن العبد أن ينشئ جميع المحامد منه ومن غيره بخلاف كونها للجنس . والأصل فيه المصدرية ، فلذلك لا يثنى ، ولا يجمع ، وحكى ابن الأعرابي « 2 » جمعه على أفعل وأنشد : 36 - وأبلج محمود الثّناء خصصته * بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي « 3 » وقرأ الجمهور : الْحَمْدُ لِلَّهِ برفع الدال ، وكسر لام الجر ، ورفعه على الابتداء ، والخبر الجار والمجرور بعده فيتعلق بمحذوف هو الخبر في الحقيقة . ثم ذلك المحذوف إن شئت قدرته اسما ، وهو المختار ، وإن شئت قدرته فعلا أي : الحمد مستقر للّه ، أو استقر للّه . والدليل على اختيار القول الأول أن ذلك يتعين في بعض الصور فلا أدل من ترجيحه في غيرها ، وذلك أنك إذ قلت : « خرجت فإذا في الدار زيد » ، و « أما في الدار فزيد » . يتعين في هاتين الصورتين تقدير الاسم ، لأن إذا الفجائية وأما التفصيلية لا يليهما إلا المبتدأ ، وقد عورض هذا اللفظ بأنه يتعين تقدير الفعل في بعض الصور ، وهو ما إذا وقع الجار والمجرور صلة لموصول نحو : الذي في الدار فليكن راجحا في غيره . والجواب أن ما رجحنا به هو من باب المبتدأ ، والخبر وليس أجنبيا فكان اعتباره أولى بخلاف وقوعه صلة ، والأول غير أجنبي . ولا بد من ذكر قاعدة ههنا لعموم فائدتها ، وهي أن الجار والمجرور والظرف إذا وقعا صلة ، أو صفة أو حالا ، أو خبرا تعلقا بمحذوف ، وذلك المحذوف لا يجوز ظهوره إذا كان كونا مطلقا فأما قول الشاعر : 37 - لك العزّ إن مولاك عزّ ، وإن يهن * فأنت لدى بحبوحة الهون كائن « 4 » فشاذ لا يلتفت إليه ، وأما قوله تعالى : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ فلم يقصد جعل الظرف ثابتا ، فلذلك ذكر المتعلق به . ثم ذلك المحذوف يجوز تقديره باسم أو فعل إلا في الصلة ، فإنه يتعين أن يكون فعلا ، وإلا في الصورتين المذكورتين فإنه يتعين أن يكون اسما . واختلفوا : أي التقديرين أولى فيما عدا الصور المستثناة ؟ فقوم رجحوا تقدير الاسم ، وقوم رجحوا تقدير

--> ( 1 ) عجز بيت للأعشى وصدره : إليك - أبيت اللّعن - كان كلالها * . . . انظر ديوانه ( 59 ) ، اللسان ( حمد ) . وانظر تفسير القرطبي ( 1 / 93 ) . ( 2 ) محمد بن زياد أبو عبد اللّه بن الأعرابيّ من موالي بني هاشم صاحب النوادر ، والأنوار ، وصفة المجل ومعاني الشعر وغير ذلك ، توفي لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة خمسين ومائة . البغية ( 1 / 105 - 106 ) . ( 3 ) لم أهتد لقائله . انظر تفسير القرطبي ( 1 / 93 ) . ( 4 ) لم أهتد لقائله . انظر همع الهوامع ( 1 / 98 ) ، الدرر ( 1 / 75 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 183 ) .