أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

637

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وعسر تحفّظهم منه ، ولذلك قدّم على الأذى . قوله تعالى : كَالَّذِي : « كالذي » الكاف في محلّ نصب ، فقيل : نعتا لمصدر محذوف أي : لا تبطلوها إبطالا كإبطال الذي ينفق رئاء الناس . وقيل : في محلّ نصب على الحال من ضمير المصدر المقدّر كما هو رأي سيبويه ، وقيل : حال من فاعل « تبطلوا » أي : لا تبطلوها مشبهين الذي ينفق رياء . و رِئاءَ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه نعت لمصدر محذوف تقديره : إنفاقا رئاء الناس ، كذا ذكره مكي . والثاني : أنه مفعول من أجله أي : لأجل رئاء الناس ، واستكمل شروط النصب . والثالث : أنه في محلّ حال ، أي : ينفق مرائيا . والمصدر هنا مضاف للمفعول وهو « الناس » ، ورئاء مصدر راءى كقاتل قتالا ، والأصل : « رئايا » فالهمزة الأولى عين الكلمة ، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة ، لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة . والمفاعلة في « راءى » على بابها لأنّ المرائي يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والتعظيم له . وقرأ طلحة - ويروى عن عاصم - : « رياء » بإبدال الهمزة الأولى ياء ، وهو قياس تخفيفها لأنها مفتوحة بعد كسرة . قوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ مبتدأ وخبر ، ودخلت الفاء ، قال أبو البقاء « لتربط الجملة بما قبلها » وقد تقدّم مثله ، والهاء في « فمثله » فيها قولان : أظهرهما : أنها تعود على « الذي ينفق رئاء الناس » لأنه أقرب مذكور . والثاني : أنها تعود على المانّ المؤذي ، كأنه تعالى شبّهه بشيئين : بالذي ينفق رئاء وبصفوان عليه تراب ، ويكون قد عدل من خطاب إلى غيبة ، ومن جمع إلى إفراد . والصّفوان : حجر كبير أملس ، وفيه لغتان : أشهر هما سكون الفاء والثانية فتحها ، وبها قرأ ابن المسيّب والزهري ، وهي شاذّة ، لأن « فعلان » إنّما يكون في المصادر نحو : النّزوان والغليان ، والصفات نحو : رجل طغيان وتيس عدوان ، وأمّا في الأسماء فقليل جدا . واختلف في « صفوان » فقيل : هو جمع مفرده : صفا ، قال أبو البقاء : « وجمع « فعل » على « فعلان » قليل . وقيل : هو اسم جنس ، قال أبو البقاء : « وهو الأجود ، ولذلك عاد الضمير عليه مفردا في قوله : « عليه » وقيل : هو مفرد ، واحد صفيّ قاله الكسائي ، وأنكره المبرد . قال : « لأنّ صفيّا جمع صفا نحو : عصيّ في عصا ، وقفيّ في قفا » . ونقل عن الكسائي أيضا أنه قال : « صفوان مفرد ، ويجمع على صفوان بالكسر . قال النحاس : « يجوز أن يكون المكسور الصاد واحدا أيضا ، وما قاله الكسائي غير صحيح بل صفوان - يعني بالكسر - جمع لصفا كورل وورلان ، وأخ وإخوان وكرى وكروان » . و عَلَيْهِ تُرابٌ يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر ، وقعت صفة لصفوان ، ويجوز أن يكون « عليه » وحده صفة له ، و « تراب » فاعل به ، وهو أولى لما تقدّم عند قوله : فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ « 1 » . والتراب معروف ،

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 261 ) .