أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
638
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويقال فيه توراب ، ويقال : ترب الرجل : افتقر . ومنه : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ « 1 » كأنّ جلده لصق به لفقره ، وأترب : أي استغنى ، كأنّ الهمزة للسلب ، أو صار ماله كالتراب . فَأَصابَهُ عطف على الفعل الذي تعلّق به قوله : « عليه » أي : استقرّ عليه تراب فأصابه . والضمير يعود على الصّفوان ، وقيل : على التراب . وأمّا الضمير في « فتركه » فعلى الصفوان فقط . وألف « أصابه » من واو ، لأنه من صاب يصوب . والوابل : المطر الشديد ، وبلت السماء تبل ، والأرض موبولة ، ويقال أيضا : أوبل فهو موبل ، فيكون ممّا اتفق فيه فعل وأفعل ، وهو من الصفات الغالبة كالأبطح « 2 » ، فلا يحتاج معه إلى ذكر موصوف . قال النضر بن شميل : « أول ما يكون المطر رشّا ثم طشّا ، ثم طلّا ورذاذا ثم نضحا ، وهو قطر بين قطرين ، ثم هطلا وتهتانا ثم وابلا وجودا . والوبيل : الوخيم ، والوبيلة : حزمة الحطب ، ومنه قيل للغليظة : وبيلة على التشبيه بالحزمة . قوله : فَتَرَكَهُ صَلْداً كقوله : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ « 3 » . والصّلد : الأجرد الأملس ، ومنه : « صلد جبين الأصلع » : برق ، والصّلد أيضا صفة ، يقال : صلد بكسر اللام يصلد بفتحها فهو صلد . قال النقاش : « الصّلد بلغة هذيل » . وقال أبان « 4 » بن تغلب : « الصّلد : اللّيّن من الحجارة » وقال علي بن عيسى : « هو من الحجارة ما لا خير فيه ، وكذلك من الأرضين وغيرها ، ومنه : « قدر صلود » أي : بطيئة الغليان » . قوله : « لا يَقْدِرُونَ » في هذه الجملة قولان : أحدهما : أنها استئنافية فلا موضع لها من الإعراب . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من « الذي » في قوله : « كالذي ينفق » ، وإنما جمع الضمير حملا على المعنى ، لأنص المراد بالذي الجنس ، فلذلك جاز الحمل على لفظه مرة في قوله : « ماله » و « لا يؤمن » « فمثله » وعلى معناه أخرى . وصار هذا نظير قوله : كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ثم قال : بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ « 5 » ، وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك . وقد زعم ابن عطية أنّ مهيع كلام العرب الحمل على اللفظ أولا ثم المعنى ثانيا ، وأنّ العكس قبيح ، وتقدّم الكلام معه في ذلك . وقيل : الضمير في « يقدرون » عائد على المخاطبين بقوله : « يا أيّها الذين آمنوا لا تبطلوا » ويكون من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وفيه بعد . وقيل : يعود على ما يفهم من السياق . أي : لا يقدر المانّون ولا المؤذون على شيء من نفع صدقاتهم . وسمّى الصدقة كسبا . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون « لا يقدرون » حالا من « الذي » لأنه قد فصل بينهما بقوله : « فمثله » وما بعده ، ولا يلزم ذلك ، لأنّ هذا الفصل فيه تأكيد وهو كالاعتراض . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 )
--> ( 1 ) سورة البلد ، آية ( 16 ) . ( 2 ) وهو المسيل الواسع . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 17 ) . ( 4 ) . أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري بالولاء أبو سعيد : قارئ لغوي من أهل الكوفة من غلاة الشيعة توفي سنة 141 ه ، اللباب ( 1 / 224 ) ، أعيان الشيعة ( 5 / 47 ) ، الأعلام ( 1 / 26 - 27 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 17 ) .