أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

619

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

جهة أنّ المحاجّة لم تقع وقت إيتاء اللّه له الملك ، إلا أن يتجوّز في الوقت ، فلا يحمل على الظاهر ، وهو أنّ المحاجّة وقعت ابتداء إيتاء الملك ، بل يحمل على أنّ المحاجّة وقعت وقت وجود الملك ، وإن عنى أنّ « أن » وما في حيّزها واقعة موقع الظرف فقد نصّ النحويون على منع ذلك وقالوا : لا ينوب عن الظرف الزماني إلا المصدر الصريح ، نحو : « أتيتك صياح الديك » ولو قلت : « أن يصيح الديك » لم يجز . كذا قاله الشيخ « 1 » ، وفيه نظر ، لأنه قال : « لا ينوب عن الظرف إلا المصدر الصريح » وهذا معارض بأنهم نصّوا على أنّ « ما » المصدرية تنوب عن الزمان ، وليست بمصدر صريح . والضمير في « آتاه » فيه وجهان : أحدهما : - وهو الأظهر - أن يعود على « الذي » ، وأجاز المهدوي أن يعود على « إبراهيم » أي : ملك النبوة . قال ابن عطية : « هذا تحامل من التأويل » . وقال الشيخ : « هذا قول المعتزلة ، قالوا : لأنّ اللّه تعالى قال : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ « 2 » والملك عهد ، ولقوله تعالى : فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً « 3 » . قوله : إِذْ قالَ فيه أربعة أوجه : أظهرها : أنه معمول لحاجّ . الثاني : أن يكون معمولا لآتاه ، ذكره أبو البقاء . وفيه نظر من حيث إنّ وقت إيتاء الملك ليس وقت قول إبراهيم : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، إلا أن يتجوّز في الظرف كما تقدّم . والثالث : أن يكون بدلا من « أن آتاه اللّه الملك » إذا جعل بمعنى الوقت ، أجازه الزمخشري بناء منه على أنّ « أن » واقعة موقع الظرف ، وقد تقدّم ضعفه ، وأيضا فإن الظرفين مختلفان كما تقدّم إلا بالتجوز المذكور . وقال أبو البقاء : « وذكر بعضهم أنه بدل من « أن آتاه » وليس بشيء ، لأنّ الظرف غير المصدر ، فلو كان بدلا لكان غلطا إلا أن تجعل « إذ » بمعنى « أن » المصدرية ، وقد جاء ذلك » انتهى . وهذا بناء منه على أنّ « أن » مفعول من أجله وليست واقعة موقع الظرف ، أمّا إذا كانت « أن » واقعة موقع الظرف فلا تكون بدل غلط ، بل بدل كل من كل ، كما هو قول الزمخشري وفيه ما تقدّم ، مع أنه يجوز أن تكون بدلا من « أن آتاه » و « أن آتاه » مصدر مفعول من أجله بدل اشتمال ، لأنّ وقت القول لاتساعه مشتمل عليه وعلى غيره . الرابع : أنّ العامل فيه « تر » من قوله : « ألم تر » ذكره مكي ، وهذا ليس بشيء ، لأنّ الرؤية على كلا التفسيرين المذكورين في نظيرتها لم تكن في وقت قوله : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » . و رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي مبتدأ وخبر في محلّ نصب بالقول . قوله : « قال أنا أحيي » مبتدأ وخبر منصوب المحل بالقول أيضا . وأخبر عن « أنا » بالجملة الفعلية ، وعن « ربي » بالموصول بها ، لأنه في الإخبار بالموصول

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 287 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 124 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 54 ) .