أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
61
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
واختلف أهل العلم في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * بالنسبة إلى كونهما بمعنى واحد أو مختلفين . فذهب بعضهم إلى أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم ، ثم اختلف هؤلاء على قولين فمنهم من قال : جمع بينهما تأكيدا ، ومنهم من قال : لما تسمى مسيلمة - لعنه اللّه - بالرحمن قال اللّه لنفسه : الرحمن الرحيم ، فالجمع بين هاتين الصفتين للّه تعالى فقط . وهذا ضعيف جدا فإن تسميته بذلك غير معتد بها البتة ، وأيضا فإن بسم اللّه الرحمن الرحيم قبل ظهور أمر مسيلمة . ومنهم من قال : لكل واحد فائدة غير فائدة الآخر وجعل ذلك بالنسبة إلى تغاير متعلقهما إذ يقال : « رحمن الدنيا ورحيم الآخرة » يروى ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك لأن رحمته في الدنيا تعم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة تخص المؤمنين فقط ، ويروى : رحيم الدنيا ورحمن الآخرة وفي المغايرة بينهما بهذا القدر وحده نظر لا يخفى . وذهب بعضهم إلى أنهما مختلفان ، ثم اختلف هؤلاء أيضا : فمنهم من قال : الرحمن أبلغ ، ولذلك لا يطلق على غير الباري تعالى ، واختاره الزمخشري وجعله من باب غضبان وسكران للممتلئ غضبا وسكرا ، ولذلك يقال : رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الآخرة فقط ، قال الزمخشري : « فكان القياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كما يقال : شجاع باسل ، ولا يقال : باسل شجاع » . ثم أجاب بأنه أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم ، وأصولها بالرحيم ليكون كالتتمة والرديف ، ليتناول ما دق منها ولطف . ومنهم من عكس فجعل الرحيم أبلغ ، ويؤيده رواية من قال : « رحيم الدنيا ورحمن الآخرة » لأنه في الدنيا يرحم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة لا يرحم إلا المؤمن لكن الصحيح أن الرحمن أبلغ ، وأما هذه الرواية فليس فيها دليل ، بل هي دالة على أن الرحمن أبلغ ، وذلك لأن القيامة فيها الرحمة أكثر بأضعاف وأثرها فيها أظهر على ما يروى أنه خبأ لعباده تسعا وتسعين رحمة ليوم القيامة . والظاهر أن جهة المبالغة فيهما مختلفة ، فمبالغة « فعلان » من حيث الامتلاء والغلبة ومبالغة « فعيل » من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة . وقال أبو عبيدة : « وبناء فعلان ليس كبناء فعيل » ، فإن بناء فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو : رجل غضبان للممتلئ غضبا ، وفعيل يكون بمعنى الفاعل والمفعول قال : 31 - فأمّا إذا عضّت بك الحرب عضّة * فإنّك معطوف عليك رحيم « 1 » فالرحمن خاص الاسم عام الفعل . والرحيم عام الاسم خاص الفعل ، ولذلك لا يتعدى فعلان ويتعدى فعيل . حكى ابن سيده « 2 » : « زيد حفيظ علمك وعلم غيرك » . والألف واللام في « الرحمن » للغلبة كهي في « الصعق » ولا يطلق على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء لقوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ فعادل به ما لا شركة فيه بخلاف « رحيم » فإنه يطلق على غيره تعالى ، قال
--> ( 1 ) البيت لعملس بن عقيل . انظر الحماسة ( 2 / 158 ) ، اللسان ( رحم ) ، والقرطبي ( 1 / 74 ) . ( 2 ) علي بن أحمد بن سيدة اللغويّ النحويّ الأندلسيّ أبو الحسن الضرير صاحب المحكم ، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة عن نحو ستين سنة . البغية ( 2 / 143 ) .