أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

603

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنه فاعول ، ولا يعرف له اشتقاق ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتا مشتقا من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرّهب ، قال : لأنّ المعنى لا يساعد على ذلك . والقول الثاني : أن وزنه فعلوت كملكوت ، وجعله مشتقا من التّوب وهو الرجوع ، وجعل معناه صحيحا فيه ، لأنّ التابوت هو الصندوق الذي توضع فيه الأشياء فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه ، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع . والمشهور أن يوقف على تائه بتاء من غير إبدالها هاء لأنها : إمّا أصل إن كان وزنه فاعولا ، وإمّا زائدة لغير التأنيث كملكوت ، ومنهم من يقلبها هاء ، وقد قرئ بها شاذا ، قرأها أبيّ وزيد بن ثابت وهي لغة الأنصار ، ويحكى أنهم لمّا كتبوا المصاحف زمن عثمان رضي اللّه عنه اختلفوا فيه فقال زيد : « بالهاء » ، وقال أبيّ : « بالتاء » ، فجاؤوا عثمان فقال : « اكتبوه على لغة قريش » يعني بالتاء . وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها فيكون فيه لغتان ، ووزنه على هذا فاعول ليس إلا ، أو بدل من التاء لأنها قريبة منها لاجتماعهما في الهمس ، أو إجراء لها مجرى تاء التأنيث ؟ قال الزمخشري : « فإن قلت : ما وزن التابوت ؟ قلت : لا يخلو أن يكون فعلوتا أو فاعولا ، فلا يكون فاعولا لقلة نحو سلس وقلق » ، يعني أنّ اتّحاد الفاء واللام في اللفظ قليل جدا . « ولأنه تركيب غير معروف » يعني في الأوزان العربية ، ولا يجوز ترك المعروف إليه فهو إذا فعلوت من التوب وهو الرجوع ، لأنه ظرف تودع فيه الأشياء فيرجع إليه كلّ وقت . وأمّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده ، إلّا من يجعل هاءه بدلا من التاء لاجتماعهما في الهمس ، ولأنهما من حروف الزيادة ، ولذلك أبدلت من تاء التّأنيث . قوله : فِيهِ سَكِينَةٌ يجوز أن يكون « فيه » وحده حالا من التابوت ، فيتعلّق بمحذوف ، ويرتفع « سكينة » بالفاعلية ، والعامل فيه الاستقرار والحال هنا من قبيل المفردات ، ويجوز أن يكون « فيه » خبرا مقدما . و « سكينة » مبتدأ مؤخرا ، والجملة في محلّ نصب على الحال ، والحال هنا من قبيل الجمل . و « سكينة » فعيلة من السكون ، وهو الوقار . وقرأ أبو السّمّال بتشديد الكاف ، قال الزمخشري : « وهو غريب » . قوله : مِنْ رَبِّكُمْ يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل « سكينة » ، ومحلّه الرفع . ويجوز أن يتعلّق بما تعلّق به « فيه » من الاستقرار . و « من » يجوز أن تكون لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض . وثمّ مضاف محذوف أي : من سكينات ربكم . و بَقِيَّةٌ وزنها فعيلة والأصل : بقيية بياءين ، الأولى زائدة والثانية لام الكلمة ، ثم أدغم ، ولا يستدلّ على أنّ لام « بقيّة » ياء بقولهم : « بقي » في الماضي ، لأنّ الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء ، ألا ترى أنّ « رضي » و « شقي » أصلهما من الواو : الشّقوة والرّضوان . و مِمَّا تَرَكَ في محلّ رفع لأنه صفة ل « بقيّة » فيتعلّق بمحذوف أي : بقية كائنة . و « من » للتبعيض ، أي : من بقيّات ربكم ، و « ما » موصولة اسمية ، ولا تكون نكرة ولا مصدرية . و آلُ تقدّم الكلام فيه ، وقيل : هو هنا زائد كقوله :