أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
598
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « إذ » لا تجرّ ب « من » . الثاني : أنه ولو كانت « إذ » من الظروف التي تجرّ ب « من » كوقت وحين لم يصحّ ذلك أيضا ، لأنّ العامل في « من بعد » محذوف فإنه حال تقديره : كائنين من بعد ، ولو قلت : كائن من حين قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكا لم يصحّ هذا المعنى . وأمّا الثاني فلأنه تقدّم أن معنى « ألم تر » تقرير للنفي ، والمعنى : ألم ينته علمك ، أو قد نظرت إلى الملأ ، وليس انتهاء علمه إليهم ولا نظره إليهم كان في وقت قولهم ذلك ، وإذا لم تكن ظرفا للانتهاء ولا للنظر فكيف تكون معمولا لهما أو لأحدهما ؟ . وإذ قد بطل هذان الوجهان فلا بدّ له من عامل يصحّ به المعنى وهو محذوف ، تقديره : ألم تر إلى قصة الملأ أو حديث الملأ أو ما في معناه ؛ وذلك لأنّ الذوات لا يتعجّب منها ، إنما يتعجّب من أحداثها ، فصار المعنى : ألم تر إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل إلى آخرها ، فالعامل هو ذلك المجرور ، ولا يصحّ إلا به لما تقدّم . قوله : لِنَبِيٍّ متعلّق ب « قالوا » ، فاللام فيه للتبليغ ، و « لهم » متعلق بمحذوف لأنه صفة لنبي ، ومحلّه الجرّ ، و « ابعث » وما في حيّزه في محلّ نصب بالقول . و « لنا » الظاهر أنه متعلّق ب « ابعث » ، واللام للتعليل أي : لأجلنا . قوله : نُقاتِلْ الجمهور بالنون والجزم على جواب الأمر . وقرئ بالياء والجزم على ما تقدّم ، وابن أبي عبلة بالياء ورفع اللام على الصفة ل « ملكا » ، فمحلّها النصب . وقرئ بالنون ورفع اللام على أنها حال من « لنا » فمحلّها النصب أيضا أي : ابعثه لنا مقدّرين القتال ، أو على أنها استئناف جواب لسؤال مقدّر كأنه قال لهم : ما يصنعون بالملك ؟ فقالوا نقاتل . قوله : هَلْ عَسَيْتُمْ عسى واسمها ، وخبرها « أن لا تقاتلوا » والشرط معترض بينهما ، وجوابه محذوف للدلالة عليه ، وهذا كما توسّط في قوله : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ « 1 » ، وهذا على رأي من يجعل « عسى » داخلة على المبتدأ والخبر ، ويقول إنّ « أن » زائدة لئلا يخبر بالمعنى عن العين . وأمّا من يرى أنّها تضمّن معنى فعل متعد فيقول : « عسيتم » فعل وفاعل ، و « أن » وما بعدها مفعول به تقديره : هل قاربتم عدم القتال ، فهي عنده ليست من النواسخ ، والأول هو المشهور . وقرأ نافع « عسيتم » هنا وفي القتال « 2 » : بكسر السين ، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقا ومع نا ، ومع نون الإناث نحو : عسينا وعسين ، وهي لغة الحجاز ، ولهذا غلط من قال : « عسى تكسر مع المضمر » وأطلق ، بل كان ينبغي له أن يقيّد الضمير بما ذكرت ، إذ لا يقال : الزيدان عسيا والزيدون عسيوا بالكسر البتة . وقال الفارسي : « ووجه الكسر قول العرب : « هو عس بكذا » مثل : حر وشج ، وقد جاء فعل وفعل في نحو : نقم ونقم ، فكذلك عسيت وعسيت ، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم - أي بالكسر - أن يقال : « عسي زيد » مثل : « رضي زيد » . فإن قيل فهو القياس ، وإن لم يقل فسائغ أن يؤخذ باللغتين ، فتستعمل إحداهما موضع
--> ( 1 ) سورة محمد ، آية ( 22 ) . ( 2 ) سورة الإنسان ، آية ( 1 ) .