أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
599
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأخرى كما فعل ذلك في غيره » فظاهر هذه العبارة أنه يجوز كسر سينها مع الظاهر بطريق القياس على المضمر ، وغيره من النحويين يمنع ذلك حتى مع المضمر مطلقا ، ولكن لا يلتفت إليه لوروده متواترا ، وظاهر قوله « قول العرب : عسى » أنه مسموع منهم اسم فاعلها ، وكذلك حكاه أبو البقاء أيضا عن ابن الأعرابي ، وقد نصّ النحويون على أن « عسى » لا تتصرّف . واعلم أنّ مدلول « عسى » إنشاء لأنها للترجي أو للإشفاق ، فعلى هذا : فكيف دخلت عليها « هل » التي تقتضي الاستفهام ؟ فالجواب أن الكلام محمول على المعنى ، قال الزمخشري : « والمعنى : هل قاربتم ألّا تقاتلوا ، يعني : هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون ، أراد أن يقول : عسيتم ألّا تقاتلوا ، بمعنى أتوقّع جبنكم عن القتال ، فأدخل « هل » مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقّع كائن وأنه صائب في توقعه ، كقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ « 1 » معناه التقرير » وهذا من أحسن الكلام ، وأحسن من قول من زعم أنها خبر لا إنشاء ، مستدلّا بدخول الاستفهام عليها ، وبوقوعها خبرا لإنّ في قوله : 1024 - لا تكثرن إنّي عسيت صائما * . . . « 2 » وهذا لا دليل فيه لأنه على إضمار القول كقوله : 1025 - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما ولذلك لا توصل بها الموصولات خلافا لهشام . قوله : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ هذه الواو رابطة لهذا الكلام بما قبله ، ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعا ممّا قبله . و « ما » في محلّ رفع بالابتداء ، ومعناها الاستفهام ، وهو استفهام إنكار . و « لنا في محلّ رفع خبر ل « ما » . و « ألّا نقاتل » فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنّها على حذف حرف الجرّ ، والتقدير : وما لنا في ألّا نقاتل ، أي : في ترك القتال ، ثم حذفت « في » مع « أن » فجرى فيها الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه : أهي في محلّ جر أم نصب ؟ وهذا الجارّ يتعلّق بنفس الجارّ الذي هو « لنا » ، أو بما يتعلّق هو به على حسب ما تقدّم في مِنْ بَعْدِ مُوسى « 3 » . والثاني : مذهب الأخفش أنّ « أن » زائدة ، ولا يضر عملها مع زيادتها ، كما لا يضرّ ذلك في حروف الجر الزائدة ، وعلى هذا فالجملة المنفيّة بعدها في محلّ نصب على الحال ، كأنه قيل : ما لنا غير مقاتلين ، كقوله : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً « 4 » وَما لَنا لا نُؤْمِنُ « 5 » وقول العرب : « مالك قائما » ، وقوله تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 6 » وهذا المذهب ضعيف لأنّ الأصل عدم الزيادة ، فلا يصار إليها دون ضرورة .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لأبي مكعب يخاطب بني سعد في غلام قتلوه ، انظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 212 ) ، الهمع ( 1 / 135 ) ، المغني ( 2 / 585 ) ، الدرر ( 1 / 112 ) ، التصريح ( 1 / 298 ) ، الخزانة ( 10 / 249 ) ، والشاهد قوله « لا تحسبوا » ظاهره وقوع الإنشاد خبرا عن « إن » وهو مؤول على إضمار القول وهذا القول هو الخبر . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 246 ) . ( 4 ) سورة نوح ، آية ( 13 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 84 ) . ( 6 ) سورة المدثر ، آية ( 49 ) .