أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

57

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفخمت لامه . ووزنه على القولين المتقدمين إما : فعل أو فعل بفتح العين أو كسرها ، وعلى كل تقدير : فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا وكان الأصل : ليها أو ليها أو لوها أو لوها . ومنهم من جعله مشتقا من أله وأله لفظ مشترك بين معان وهي : العبادة والسكون والتحير والفزع فمعنى ( إله ) أن خلقه يعبدونه ويسكنون إليه ويتحيرون فيه ويفزعون إليه . ومنه قول رؤبة « 1 » : 25 - للّه درّ الغانيات المدّه * سبّحن واسترجعن من تألّهي « 2 » أي : من عبادته ومنه : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ « 3 » أي عبادتك . وإلى معنى التحير أشار أمير المؤمنين بقوله : ( كل دون صفاته تحبير الصفات وضل هناك تصاريف اللغات ) وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحير ولهذا روي : « تفكروا في آلاء اللّه ، ولا تتفكروا في اللّه » « 4 » وعلى هذا فالهمزة أصلية والألف قبل الهاء زائدة فأصل الجلالة الكريمة : الإله كقول الشاعر : 26 - معاذ الإله أن تكون كظبية * ولا دمية ولا عقيلة ربرب « 5 » ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت في ناس والأصل : أناس كقوله : 27 - إنّ المنايا يطّلع * ن على الأناس الآمنينا « 6 » فالتقى حرف التعريف مع اللام فأدغم فيها وفخم أو نقول : إن الهمزة مع الإله حذفت للنقل بمعنى أنا نقلنا حركتها إلى لام التعريف وحذفناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل ثم أدغم لام التعريف كما تقدم إلا أن النقل هنا لازم لكثرة الاستعمال . ومنهم من قال : هو مشتق من وله لكون كل مخلوق والها نحوه ، وعلى ذلك قال بعض الحكماء : « اللّه محبوب للأشياء كلها » وعلى ذلك دل قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فأصله : ولاه ثم أبدلت الواو همزة كما

--> ( 1 ) رؤبة بن عبد اللّه العجاج بن رؤبة التميمي السعدي ، أبو الجحاف أو أبو محمد راجز من الفصحاء المشهورين من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية . وفيات الأعيان ( 1 / 187 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 96 ) ، الخزانة ( 1 / 43 ) ، الأعلام ( 3 / 34 ) . ( 2 ) البيت من ديوانه ( 165 ) ، المحتسب ( 1 / 256 ) ، المخصص ( 12 / 191 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 3 ) ، لسان العرب م ( أله ) ، وتفسير الطبري ( 1 / 123 ) ، المدة : جمع مادة . ومده فلانا يمدهه مدها : نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه . و « استرجعن » : قلن : إنا للّه وإنا إليه راجعون . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 127 ) . وانظر البحر المحيط ( 4 / 367 ) . ( 4 ) أخرجه الطبراني وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 1 / 81 ) ، والسيوطي في الدر المنثور ( 2 / 110 ) . ( 5 ) البيت للبعيت بن حريث في محبوبته أم السلسبيل . انظر شرح الحماسة للمرزوقي ( 1 / 378 ) ، الخزانة ( 2 / 277 ) . وانظر الكشاف ( 1 / 5 ) ، والدمية : الصنم والصورة من العاج ونحوه المنقوشة بالجواهر . وعقيلة كل شيء : أكرمه . والربرب : القطيع من بقر الوحش شبه محبوبته بالظبية وبالدمية وبالعقيلة في نفسه ثم وجدها أحسن منها فرجع عن ذلك والتجأ إلى اللّه منه كأنه أثم ؛ أو المعنى لا أشبهها بذلك وإن وقع من الشعراء . ( 6 ) البيت لذي جدن الحميري . انظر الخصائص ( 3 / 151 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 124 ) ، مجالس العلماء ( 70 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 9 ) ، الكشاف ( 1 / 5 ) ، الخزانة ( 1 / 351 ) . وشبه المنايا بأناس يبحثون عمن استحق الموت على طريقة المكنية والاطلاع تخييل . والمعنى : أن المنايا تأتي على الناس على حين غفلة فتبهتهم فلا يستطيعون ردّها . والأناس : اسم جمع لا واحد له من لفظه .