أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

562

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقوله : فَلا تَعْتَدُوها أصله : تعتديوها ، فاستثقلت الضمّة على الياء ؛ فحذفت فسكنت الياء وبعدها واو الضمير ساكنة ، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وضمّ ما قبل الواو لتصحّ ، ووزن الكلمة : تفتعوها . قوله : وَمَنْ يَتَعَدَّ « من » شرطية في محلّ رفع بالابتداء ، وفي خبرها الخلاف المتقدّم . وقوله : فَأُولئِكَ جوابها . ولا جائز أن تكون موصولة ، والفاء زائدة في الخبر لظهور عملها الجزم فيما بعدها . و « هم » من قوله : « فأولئك هم » يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون فصلا . والثاني : أن يكون بدلا و « الظالمون » على هذين خبر « أولئك » والإخبار بمفرد . والثالث : أن يكون مبتدأ ثانيا ، و « الظالمون » خبره ، والجملة خبر « أولئك » والإخبار على هذا بجملة . ولا يخفى ما في هذه الجملة من التأكيد من حيث الإتيان باسم الإشارة للبعيد وتوسّط الفصل والتعريف باللام في « الظالمون » أي : المبالغون في الظلم . وحمل أولا على لفظ « من » فأفرد في قوله « يتعدّ » ، وعلى معناها ثانيا فجمع في قوله : « فأولئك هم الظالمون » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 230 ] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 ) قوله تعالى : مِنْ بَعْدُ : أي : من بعد الطلاق الثالث ، فلمّا قطعت « بعد » عن الإضافة بنيت على الضّمّ لما تقدّم تقريره . و « له » و « من بعد » و « حتى » ثلاثتها متعلقة ب « يحلّ » . ومعنى « من » ابتداء الغاية واللام للتبليغ ، وحتى للتعليل ، كذا قال الشيخ ، والظاهر أنها للغاية ، لأنّ المعنى على ذلك ، أي : يمتدّ عدم التحليل له إلى أن تنكح زوجا غيره ، فإذا طلّقها وانقضت عدّتها منه حلّت للأول المطلّق ثلاثا ، ويدلّ على هذا الحذف فحوى الكلام . و « غيره » صفة ل « زوجا » ، وإن كان نكرة ، لأنّ « غير » وأخواتها لا تتعرّف بالإضافة لكونها في قوة اسم الفاعل العامل . و « زوجا » هل هو للتقييد أو للتوطئة ؟ وينبني على ذلك فائدة ، وهي أنه إن كان للتقييد : فلو كانت المرأة أمة وطلّقها زوجها ثلاثا ووطئها سيّدها لم تحلّ للأول لأنه ليس بزوج ، وإن كانت للتوطئة حلّت ، لأنّ ذكر الزوج كالملغى ، كأنه قيل : حتى تنكح غيره ، وإنما أتى بلفظ « زوج » لأنه الغالب . قوله : فَإِنْ طَلَّقَها الضمير المرفوع عائد على « زوجا » النكرة ، أي : فإن طلّقها ذلك الزوج الثاني ، وأتى بلفظ « إن » الشرطية دون « إذا » تنبيها أنّ طلاقه يجب أن يكون باختياره من غير أن يشترط عليه ذلك ، لأنّ « إذا » للمحقق وقوعه و « إن » للمبهم وقوعه أو المتحقّق وقوعه ، المبهم زمان وقوعه ، نحو قوله تعالى : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 34 ) .