أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

563

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : عَلَيْهِما الضمير في « عليهما » يجوز أن يعود على المرأة والزوج الأول المطلّق ثلاثا ، أي : فإن طلّقها الثاني وانقضت عدّتها منه فلا جناح على الزوج المطلّق ثلاثا ولا عليها أن يتراجعا . ويجوز أن يعود عليها وعلى الزوج الثاني ، أي : فلا جناح على المرأة ولا على الزوج الثاني أن يتراجعا ما دامت عدّتها باقية ، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حذف تلك الجملة المقدّرة وهي « وانقضت عدّتها » وتكون الآية قد أفادت حكمين : أحدهما : أنها لا تحلّ للأول إلّا بعد أن تتزوج بغيره . والثاني : أنه يجوز أن يراجعها الثاني ما دامت عدّتها منه باقية ، ويكون ذلك دفعا لوهم من يتوهّم أنها إذا نكحت غير الأول حلّت للأول فقط ولم يكن للثاني عليها رجعة . قوله : أَنْ يَتَراجَعا أي : في أن ، ففي محلّها القولان المشهوران ، و « عليهما » خبر « لا » ، و « في أن » متعلّق بالاستقرار ، وقد تقدّم أنه لا يجوز أن يكون « عليهما » متعلقا « ب » جناح » ، والجارّ الخبر ، لما يلزم من تنوين اسم « لا » ، لأنه حينئذ يكون مطوّلا . قوله : إِنْ ظَنَّا شرط جوابه محذوف عند سيبويه لدلالة ما قبله عليه ، ومتقدّم عند الكوفيين وأبي زيد . والظّنّ هنا على بابه من ترجيح أحد الجانبين ، وهو مقوّ أن الخوف المتقدّم بمعنى الظّنّ . وزعم أبو عبيدة وغيره أنه بمعنى اليقين ، وضعّف هذا القول الزمخشري لوجهين : أحدهما من جهة اللفظ وهو أنّ « أن » الناصبة لا يعمل فيها يقين ، وإنما ذلك للمشدّدة والمخففة منها ، لا تقول : علمت أن يقوم زيد ، إنما تقول : علمت أن يقوم زيد . والثاني من جهة المعنى : فإنّ الإنسان لا يتيقّن ما في الغد وإنما يظنّه ظنا . قال الشيخ « 1 » : « أمّا ما ذكره من أنه لا يقال : « علمت أن يقوم زيد » فقد ذكره غيره مثل الفارسي وغيره ، إلا أن سيبويه أجاز : « ما علمت إلا أن يقوم زيد » فظاهر هذا الردّ على الفارسي . قال بعضهم : الجمع بينهما أنّ « علم » قد يراد بها الظّنّ القويّ كقوله : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ « 2 » وقوله : 983 - وأعلم علم حقّ غير ظنّ * وتقوى اللّه من خير العتاد « 3 » فقوله : « علم حق » يفهم منه أنه قد يكون علم غير حق ، وكذا قوله « غير ظنّ » يفهم منه أنه قد يكون علم بمعنى الظن . وممّا يدلّ على أنّ « علم » التي بمعنى « ظنّ » تعمل في « أن » الناصبة قول جرير : 984 - نرضى عن النّاس إنّ النّاس قد علموا * أن لا يدانينا من خلقه أحد « 4 » ثم قال الشيخ : « وثبت بقول جرير وتجويز سيبويه أنّ « علم » تعمل في « أن » الناصبة ، فليس بوهم من طريق اللفظ كما ذكره الزمخشري . وأمّا قوله : « لأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد » فليس كما ذكر ، بل الإنسان يعلم أشياء

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 203 ) . ( 2 ) سورة الممتحنة ، آية ( 10 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 203 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 261 ) ، الأشموني ( 3 / 382 ) ، الهمع ( 2 / 22 ) ، الدرر ( 2 / 2 ) .