أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
551
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والسادس : أن تتعلّق بمحذوف ، والتقدير : والذين يؤلون لهم من نسائهم تربّص أربعة ، فتتعلّق بما يتعلق به « لهم » المحذوف ، هكذا قدّره الشيخ « 1 » وعزاه للزمخشري ، وفيه نظر ، فإنّ الزمخشري قال : « ويجوز أن يراد : لهم من نسائهم تربّص ، كقولك : « لي منك كذا » فقوله : « لهم » لم يرد به أن ثمّ شيئا محذوفا وهو لفظ « لهم » إنما أراد أن يعلّق « من » بالاستقرار الذي تعلّق به « للذين » غاية ما فيه أنه أتى بضمير « الذين » تبيينا للمعنى . وإلى هذا المنحى نحا أبو البقاء فإنه قال : « وقيل : الأصل « على » ولا يجوز أن تقوم « من » مقام « على » ، فعند ذلك تتعلّق « من » بمعنى الاستقرار ، يريد الاستقرار الذي تعلّق به قوله « للذين » ، وعلى تقدير تسليم أنّ لفظة « لهم » مقدرة وهي مرادة فحينئذ إنما تكون بدلا من « للذين » بإعادة العامل ، وإلّا يبق قوله : « للذين يؤلون » مفلتا . وبالجملة فتعلّقه بالاستقرار غير ظاهر . وأمّا تقدير الشيخ : « والذين يؤلون لهم من نسائهم تربّص » فليس كذلك ، لأنّ « الذين » لو جاء كذلك غير مجرور باللام سهل الأمر الذي ادّعاه ، ولكن إنما جاء كما تراه مجرورا باللام . ثم قال الشيخ : « وهذا كلّه ضعيف ينزّه القرآن عنه ، وإنما يتعلّق بيؤلون على أحد وجهين : إمّا أن تكون « من » للسبب ، أي يحلفون بسبب نسائهم . وإمّا أن يضمّن معنى الامتناع ، فيتعدّى ب « من » ، فكأنه قيل : للذين يمتنعون من نسائهم بالإيلاء ، فهذا وجهان مع الستة المتقدمة ، فتكون ثمانية ، وإن اعتبرت مطلق التضمين فتجيء سبعة . والإيلاء : الحلف ، مصدر آلى يولي نحو : أكرم يكرم إكراما ، والأصل : إإلاء ، فأبدلت الهمزة الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها نحو : « إيمان » . ويقال تألّى وايتلى على افتعل ، والأصل : اإتلى ، فقلبت الثانية لما تقدّم . والحلفة : يقال لها الأليّة والألوّة والألوة والإلوة ، وتجمع الأليّة على « ألايا » كعشيّة وعشايا ، ويجوز أن تجمع الألوّة أيضا على « ألايا » كركوبة وركائب . قال كثيّر عزة : 970 - قليل الألايا حافظ ليمينه * إذا صدرت منه الأليّة برّت « 2 » وقد تقدّم كيف تصريف أليّة وألايا عند قوله : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ « 3 » جمع خطيئة . والتربّص : الانتظار ، وهو مقلوب التصبّر . قال : 971 - تربّص بها ريب المنون لعلّها * تطلّق يوما أو يموت حليلها « 4 » وإضافة التربّص إلى الأشهر فيها قولان : أحدهما : أنّه من باب إضافة المصدر لمفعوله على الاتساع في الظرف حتى صار مفعولا به فأضيف إليه والحالة هذه .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 281 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 2 / 220 ) ، البحر ( 1 / 176 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 58 ) . ( 4 ) البيت في اللسان م « ربص » ، والجمهرة ( 1 / 259 ) .