أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

536

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفي اشتقاقه أربعة أقوال : أحدها : من اليسر وهو السهولة ، لأنّ أخذه سهل . الثاني : من اليسار وهو الغنى ، لأنه يسلبه يساره . الثالث : من يسر لي كذا أي : وجب ، حكاه الطبري عن مجاهد . وردّ ابن عطية عليه . الرابع : من يسر إذا جزر ، والياسر الجازر ، وهو الذي يجزّئ الجزور أجزاء . قال ابن عطية : « وسمّيت الجزور التي يستهم عليها ميسرا لأنّها موضع اليسر ، ثم سمّيت السهام ميسرا للمجاورة » واليسر : الذي يدخل في الضرب بالقداح ، ويجمع على أيسار ، وقيل ، بل « يسّر » جمع ياسر كحارس وحرّس وأحراس . وللميسر كيفية ، ولسهامه - وتسمّى القداح والأزلام أيضا - أسماء لا بدّ من ذكرها لتوقّف المعنى عليها . فالكيفية أنّ لهم عشرة أقداح وقيل أحد عشر ، لسبعة منها حظوظ ، وعلى كل منها خطوط ، فالخطّ يقدّر الحظّ ، وتلك القداح هي : الفذّ وله سهم واحد ، والتّوأم وله اثنان ، والرقيب وله ثلاثة ، والحلس وله أربعة ، والنافس وله خمسة ، والمسبل وله ستة ، والمعلّى وله سبعة ، وثلاثة أغفال لا خطوط عليها وهي المنيح والسّفيح والوغد ، ومن زاد رابعا سمّاه المضعّف . وإنما كثروا بهذه الأغفال ليختلط على الحرضة وهو الضارب ، فلا يميل مع أحد ، وهو رجل عدل عندهم ، فيجثو ويلتحف بثوب ، ويخرج رأسه ، فيجعل تلك القداح في الرّبابة وهي الخريطة ، ثم يخلخلها ويدخل يده فيها ، ويخرج باسم رجل رجل قدحا فمن خرج على اسمه قدح : فإن كان من ذوات السهام فاز بذلك النصيب وأخذه ، وإن كان من الأغفال غرّم من الجزور ، وكانوا يفعلون هذا في الشّتوة وضيق العيش ، ويقسّمونه على الفقراء ولا يأكلون منه شيئا ، ويفتخرون بذلك ، ويسمون من لم يدخل معهم فيه : البرم ، والجزور تقسم عند الجمهور على عدد القداح فتقسم عشرة أجزاء ، وعند الأصمعي على عدد خطوط القداح ، فتقسم على ثمانية وعشرين جزءا . وخطّأ ابن عطية الأصمعيّ في ذلك ، وهذا عجيب منه ، لأنه يحتمل أنّ العرب كانت تقسّمها مرة على عشرة ومرة على ثمانية وعشرين . وقوله : عَنِ الْخَمْرِ لا بد من حذف مضاف ، إذ السؤال عن ذاتي الخمر والميسر غير مراد . والتقدير : عن حكم الخمر والميسر حلّا وحرمة ، ولذلك جاء الجواب مناسبا لهذا المقدّر . قوله : فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ الجارّ خبر مقدم ، و « إثم » مبتدأ مؤخر ، وتقديم الخبر هنا ليس بواجب وإن كان المبتدأ نكرة ، لأنّ هنا مسوغا آخر ، وهو الوصف أو العطف ، ولا بد من حذف مضاف أيضا ، أي : في تعاطيهما إثم ، لأنّ الإثم ليس في ذاتهما . وقرأ حمزة والكسائي : « كثير » بالثاء المثلثة ، والباقون بالباء ثانية الحروف . ووجه قراءة الجمهور واضح ، وهو أن الإثم يوصف بالكبر ، ومنه آية حُوباً كَبِيراً « 1 » . وسمّيت الموبقات : « الكبائر » ، ومنه قوله تعالى : يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ ، * وشرب الخمر والقمار من الكبائر ، فناسب وصف إثمهما بالكبر ، وقد أجمعت السبعة على قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ بالباء الموحّدة ، وهذه توافقها لفظا .

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 2 ) .