أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
537
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا وجه قراءة الأخوين : فإمّا باعتبار الآثمين من الشاربين والمقامرين فلكلّ واحد إثم ، وإما باعتبار ما يترتب على تعاطيهما من توالي العقاب وتضعيفه ، وإمّا باعتبار ما يترتّب على شربها ممّا يصدر من شاربها من الأقوال السيئة والأفعال القبيحة ، وإمّا باعتبار من يزاولها من لدن كانت عنبا إلى أن شربت ، فقد لعن « 1 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخمر ، ولعن معها عشرة : بائعها ومبتاعها ، فناسب ذلك أن يوصف إثمها بالكثرة . وأيضا فإنّ قوله : « إثم » مقابل ل « منافع » و « منافع » جمع ، فناسب أن توصف مقابلة بمعنى الجمعية وهو الكثرة . وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإنسان في القرآن ، وهو أن يذكر لكلّ قراءة توجيها من غير تعرّض لتضعيف القراءة الأخرى كما فعل بعضهم ، وقد تقدّم فصل صالح من ذلك في قراءتي : « ملك » و « مالك » « 2 » . وقال أبو البقاء : « الأحسن القراءة بالباء لأنه يقال : إثم كبير وصغير ، ويقال في الفواحش العظام « الكبائر » ، وفيما دون ذلك « الصغائر » وقد قرئ بالثاء وهو جيد في المعنى ، لأن الكثرة كبر ، والكثير كبير ، كما أنّ الصغير حقير ويسير . وقرأ عبد اللّه - وكذلك هي في مصحفه - : « وإثمهما أكثر » بالمثلثة ، وكذلك الأولى في قراءته ومصحفه . وفي قراءة أبيّ : « أقرب من نفعهما » . وإثمهما ونفعهما مصدران مضافان إلى الفاعل ، لأنّ الخمر والميسر سببان فيهما ، فهما فاعلان ، ويجوز أن تكون الإضافة باعتبار أنهما محلّهما . وقد تقدّم القول مستوفى على قوله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ « 3 » . وقرأ أبو عمرو : « قل العفو » رفعا والباقون نصبا . فالرفع على أن « ما » استفهامية ، و « ذا » موصولة ، فوقع جوابها مرفوعا خبرا لمبتدأ محذوف ، مناسبة بين الجواب والسؤال . والتقدير : إنفاقكم العفو . والنصب على أنهما بمنزلة واحدة ، فيكون مفعولا مقدما ، تقديره : أيّ شيء ينفقون ؟ فوقع جوابها منصوبا بفعل مقدر للمناسبة أيضا ، والتقدير : أنفقوا العفو . وهذا هو الأحسن ، أعني أن يعتقد في حال الرفع كون « ذا » موصولة ، وفي حال النصب كونها ملغاة . وفي غير الأحسن يجوز أن يقال بكونها ملغاة مع رفع جوابها ، وموصولة مع نصبه . وإنما اختصرت القول هنا لأني قد استوفيت الكلام عليها عند قوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ « 4 » ومذاهب الناس فيها ، فأغنى عن إعادتها . قوله : كَذلِكَ يُبَيِّنُ الكاف في محلّ نصب : إمّا نعتا لمصدر محذوف أي : تبيينا مثل ذلك التبيين يبيّن لكم ، وإمّا حالا من المصدر المعرفة ، أي : يبيّن التبيين مماثلا ذلك التبيين . والمشار إليه يبيّن حال المنفق أو يبيّن حكم الخمر والميسر والمنفق المذكور بعدهما . وأبعد من خصّ اسم الإشارة ببيان حكم الخمر والميسر ، وأبعد منه من جعله إشارة إلى جميع ما سبق في السورة من الأحكام . و « لكم » متعلّق ب « يبيّن » . وفي اللام وجهان : أظهرهما أنّها للتبليغ كالتي في : قلت لك . والثاني : أنها للتعليل وهو بعيد . والكاف في « كذلك » تحتمل وجهين :
--> ( 1 ) سورة الشورى ، آية ( 37 ) . ( 2 ) سورة الفاتحة ، آية ( 3 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 215 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 26 ) .