أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
533
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : مَنْ يَرْتَدِدْ « من » شرطية في محلّ رفع بالابتداء ، ولم يقرأ هنا أحد بالإدغام ، وفي المائدة « 1 » اختلفوا فيه ، فنؤخّر الكلام على هذه المسألة إلى هناك إن شاء اللّه تعالى . ويرتدد يفتعل من الردّ وهو الرجوع كقوله : فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً « 2 » : قال الشيخ « 3 » : « وقد عدّها بعضهم فيما يتعدّى إلى اثنين إذا كانت عنده بمعنى صيّر ، وجعل من ذلك قوله : فَارْتَدَّ بَصِيراً « 4 » أي : رجع » وهذا منه سهو ؛ لأنّ الخلاف إنما هو بالنسبة إلى كونها بمعنى صار أم لا ، ولذلك مثّلوا بقوله : « فارتدّ بصيرا » فمنهم من جعلها بمعنى « صار » ، ومنهم من جعل المنصوب بعدها حالا ، وإلا فأين المفعولان هنا ؟ وأمّا الذي عدّوه يتعدّى لاثنين بمعنى « صيّر » فهو ردّ لا ارتدّ ، فاشتبه عليه ردّ ب « ارتدّ » ، وصيّر ب « صار » . و مِنْكُمْ متعلّق بمحذوف ؛ لأنه حال من الضمير المستكنّ في « يرتدد » ، و « من » للتبعيض ، تقديره : ومن يرتدد في حال كونه كائنا منكم ، أي : بعضكم . و « عن دينه » متعلّق بيرتدد . و « فيمت » عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب . وَهُوَ كافِرٌ جملة حالية من ضمير « يمت » ، وكأنها حال مؤكّدة لأنها لو حذفت لفهم معناها ، لأنّ ما قبلها يشعر بالتعقيب للارتداد ، وجيء بالحال هنا جملة ، مبالغة في التأكيد من حيث تكرّر الضمير بخلاف ما لو جيء بها اسما مفردا . وقوله : فَأُولئِكَ جواب الشرط . قال أبو البقاء : و « من في موضع مبتدأ ، والخبر هو الجملة التي هي قوله : فَأُولئِكَ حَبِطَتْ ، وكان قد سلف له عند قوله : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ « 5 » أنّ خبر اسم الشرط هو فعل الشرط لا جوابه وردّ على من يدّعي ذلك بما حكيته عنه ثمّة ، ويبعد منه توهّم كونها موصولة لظهور الجزم في الفعل بعدها ، ومثله لا يقع في ذلك . و « حبط » فيه لغتان : كسر العين - وهي المشهورة - وفتحها ، وبها قرأ أبو السّمّال في جميع القرآن ، ورويت عن الحسن أيضا . والحبوط : أصله الفساد ومنه : « حبط بطنه » أي : انتفخ ، ومنه « رجل حبنطى » أي : منتفخ البطن . وحمل أولا على لفظ « من » فأفرد في قوله : « يرتدد ، فيمت وهو كافر » وعلى معناها ثانيا في قوله : « فأولئك » إلى آخره ، فجمع ، وقد تقدّم أن مثل هذا التركيب أحسن الاستعمالين : أعني الحمل أولا على اللفظ ثم على المعنى . وقوله : « في الدنيا » متعلّق ب « حبطت » . وقوله : وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ إلى آخره تقدّم إعراب نظيرتها « 6 » . واختلفوا في هذه الجملة : هل هي استئنافية ، أي : لمجرّد الإخبار بأنهم أصحاب النار ، فلا تكون داخلة في جزاء الشرط ، بل تكون معطوفة على جملة الشرط ، أو هي معطوفة على الجواب فيكون محلّها الجزم ؟ قولان :
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) . ( 2 ) سورة الكهف ، آية ( 64 ) . ( 3 ) البحر المحيط ( 2 / 150 ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 96 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 38 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 39 ) .