أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

534

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

رجّح الأول بالاستقلال وعدم التقييد . والثاني بأنّ عطفها على الجزاء أقرب من عطفها على جملة الشرط ، والقرب مرجّح . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 218 إلى 219 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا : إنّ واسمها ، و « أولئك » مبتدأ ، و « يرجون » خبره ، والجملة خبر « إنّ » ، وهو أحسن من كون « أولئك » بدلا من « الذين » و « يرجون خبر « إنّ » . وجيء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع ، إذ الإيمان أول ثم المهاجرة ثم الجهاد . وأفرد الإيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد ، وجمع الهجرة والجهاد في موصول واحد لأنّهما فرعان عنه ، وأتى بخبر « إنّ » اسم إشارة لأنه متضمّن للأوصاف السابقة . وتكرير الموصول بالنسبة إلى الصفات لا الذوات ، فإنّ الذوات متحدة موصوفة بالأوصاف الثلاثة ، فهو من باب عطف بعض الصفات على بعض والموصوف واحد . ولا تقول : إنّ تكرير الموصول يدلّ على تغاير الذوات الموصوفة لأنّ الواقع كان كذلك . وأتى ب « يرجون » ليدلّ على التجدّد وأنهم في كلّ وقت يحدثون رجاء . والمهاجرة مفاعلة من الهجر ، وهي الانتقال من أرض إلى أرض ، وأصل الهجر الترك . والمجاهدة مفاعلة من الجهد ، وهو استخراج الوسع وبذل المجهود ، والإجهاد : بذل المجهود في طلب المقصود ، والرجاء : الطمع ، وقال الراغب : هو ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة ، وقد يطلق على الخوف ، وأنشد : 944 - إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل « 1 » أي : لم يخف ، وقال تعالى : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي : لا يخافون ، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة أو المجاز ؟ فزعم قوم أنّه حقيقة ، ويكون من الاشتراك اللفظي ، وزعم قوم أنه من الأضداد ، فهو اشتراك لفظي أيضا . قال ابن عطية : « وليس هذا بجيد » . يعني أن الرجاء والخوف ليسا بضدين إذ يمكن اجتماعهما ، ولذلك قال الراغب : - بعد إنشاده البيت المتقدم - « ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان » ، وقال ابن عطية : « والرجاء أبدا معه خوف ، كما أن الخوف معه رجاء » . وزعم قوم أنه مجاز للتلازم الذي ذكرناه عن الراغب وابن عطية . وأجاب الجاحظ عن البيت بأنّ معناه لم يرج برء لسعها وزواله فالرجاء على بابه » . وأمّا قوله : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا « 2 » أي لا يرجون ثواب لقائنا ، فالرجاء أيضا على بابه ، قاله ابن عطية . وقال الأصمعي : « إذا اقترن الرجاء بحرف النفي كان بمعنى الخوف كهذا البيت والآية . وفيه نظر إذ النفي لا يغيّر مدلولات الألفاظ .

--> ( 1 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 1 / 143 ) ، الكشاف ( 4 / 499 ) . ( 2 ) سورة يونس ، آية ( 7 ) .